فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 532

هذا اليقين بصدور الشيخ عن قصد حسن بعيدًا عن الانتصار للنفس وحب الشهرة والظهور لم يُستفد من هذه الواقعة آنفة الذكر فحسب؛ وإنما استفاده المنصفون من تاريخ طويل وسيرة عريضة سارها الشيخ في خدمة السنة والذود عن حياض الشريعة،

وليست هذه الواقعة إلا مثالًا من أمثلة كثيرة تشهد على تواضع هذا الرجل العظيم، وتدل على ما ينطوي عليه قلبه من خير وصدق وهضم للنفس،

وإلاَّ؛ فعلامَ البكاء الذي قطع كلام الشيخ وأخفى صوته ... !؟

ثم لماذا نفى تلك الأوصاف التي مدحه بها المقدِّم مع أنه يستحقها وأكثر منها؟ ثم لم يكتف بذلك؛ بل نفى أن يكون من العلماء، وقال: «إنما أنا طالب علم لا شيء آخر» .

إنها - والله - أخلاق الصادقين من العلماء، ولقد تذكرت بها الإمام الرباني شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني - رحمه الله - الذي كان آية في التواضع والخشوع مع شدة على أهل الأهواء؛ فانظر ما يحدِّث به عنه تلميذه الإمام الحبر الهمام ابن القيم - رحمه الله -

يقول: «ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - من ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرًا: «ما لي شيء، ولا مني شيء ولا فيَّ شيء» وكان يتمثل كثيرًا بهذا البيت:

أنا المُكدِّي وابن المُكدِّي .. .. وهكذا كان أبي وجدي

وكان إذا أُثني عليه في وجهه يقول: «والله إني لأجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمتُ بعدُ إسلامًا جيدًا!!» ، قال ابن القيم: وبعث إليَّ في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه:

أنا الفقير إلى رب البريات أنا المسيكين في مجموع حالاتي

أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي والخير إن يأتنا من عنده يأتي

ثم ذكر بعدها تسعة أبيات مُلئتْ تواضعًا وخضوعًا وإخباتًا لله تعالى

هكذا فليكن العلماء، وبهذا فليتأدب الطلاب، والحمد لله الذي أرانا في علمائنا الأنموذج الصادق ليكونوا للناس أئمة وهداة.

اللهم آجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيرًا منها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت