بدأ الشيخ بخطبة الحاجة، وفي صوته ضعف وفي لسانه حبْسة، ثم قال: «أشكر الأخ على كلمته وعلى ثنائه، وليس لي ما أقوله لقاء ذلك الثناء إلا الاقتداء بالخليفة الأول أبي بكر الصديق الذي كان الخليفة الحق والأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم» ، ولم يكن صوت الشيخ يزداد إلا تقطعًا وضعفًا واحتباسًا، ثم قال: «ومع ذلك، فكان إذا سمع - رضي الله عنه - شخصًا يثني عليه خيرًا وأعتقد أن ذلك الثناء مهما كان صاحبه قد غلا فيه، فما دام أنه خليفة رسول الله فهو بحق، ومع ذلك ... » وهنا انقطع صوت الشيخ وبكى طويلًا وسمعته يقول مُخافتًا: «الله المستعان» ثم سكت ونشج وانتحب ثم أكمل فقال: «ومع ذلك كان يقول: اللهم لا تؤاخذني بما يقولون» ، ثم سكت، ثم أكمل: «واجعلني خيرًا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون» وهنا انقطع صوته مرة ثانية، وبكى ثم قال: «هذا يقوله الصدِّيق الأكبر؛ فماذا نقول نحن من بعده؟ فأقول اقتداءًا به: اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرًا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون» .
ثم أضاف الشيخ وهو يبكي فقال: «الحقُّ - والحقَّ أقول -: لست بذلك الموصوف الذي سمعتموه آنفًا من أخينا الفاضل؛ وإنما أنا طالب علم لا شيء آخر» .
ما أن سمعتُ تلك الكلمات الصادقات التي اختلطت بالدموع والعبرات حتى أيقنتُ بما كنتُ مؤمنًا به من قبل من صدق الشيخ، ونصحه لله ورسوله وللمسلمين - أحسبه كذلك والله حسيبه ولا أزكِّي على الله أحدًا -،
وعلمت أن الشيخ لم يكن يردُّ على المخالف وربما أغلظ عليه إلاَّ غيرة على الدين ونصرة لشرعة رب العالمين، فلم يكن قصده الصعود على أكتاف العلماء، ولا التنقص من ذواتهم، ولا التفكه بالنيل من أعراضهم، وإنما كان غيورًا وربما دفعته الغيرة إلى شيء من الغلظة والفظاظة.
وهذا وإن لم يُستحسن - أحيانًا - إلا أن وراءه نية صالحة وقصدًا حسنًا؛ والله لا يضيع أجر المحسنين.