درج الفتى وهو دون التاسعة في مدينة دمشق، وهو لا يعرف كلمة عربية، وسحنته سحنة غريبة عن أهل البلد، وكاذ من أسرة مهاجرة غريبة فقيرة، ولم تتح له ظروفه الخاصة أن يتابع دراسته، وأراد له أبوه أن يكوذ فقيهًا حنفيًا ويدرس بعد أن ينتهي من عمله الذي يكسب منه ما يسد نفقات العيش.
فاشتغل في أول أمره نجارًا، ثم اختار له أبوه أن يعمل ساعاتيًا، ولكن ذاك الفتى الذكي الطموح لم يقنع بما اختار له أبوه، بل شرع يقرأ ويدرس في الأوقات التى يستطيع انتزاعها من عمله وراحته.
وجذبه علم الحديث، فبدأ يشتغل بدراسة كتب التخريج وكتب الأحاديث الشائعة، فاستفاد من تخريج الحافظ العراقي لأحاديث الإحياء الذي سماه مؤلفه"المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في كتاب إحياء علوم الدين من الأحاديث والآثار". وكذلك كتاب"الموضوعات الكبرى"لملا علي القاري وغيرهما ومازال يواصل دراساته حتى وجد في نفسه القدرة على التأليف، فبدأ يؤلف الرسائل الصغيرة، واستمر في البحث والتنقيب في كتب الحديث المطبوعة والمخطوطة، وأتيح له أن يتعاون مع دار نشر احتضنت مؤلفاته، وطبعتها ونشرتها في الآفاق.
فعرف الناس فضله، وانتفعوا من علمه، وطبق ذكره كل بلاد المسلمين، وليس من شك في أن أثره على طلاب العلم في عصره كان كبيرًا، وكان الرائد في مجال البحث عن صحة الحديث في هذا العصر، واتجه إلى الأخذ بالحديث الصحيح والحسن، والاستغناء بهما عن الحديث الضعيف فضلًا عن الموضوع، لقد كان طلبة العلم يدرسون علم المصطلح في كتب النووي وابن كثير وابن الصلاح والسخاوي وابن حجر وغيرهم، ولكنهم كانوا يتوقفون عند حفظ القواعد، أما أن يعمد واحد منهم على الحكم على الحديث، فهذا أمر لم يكن يدور لهم ببال.
إن خطته هذه واستحسان الناس لها، جعل كثيرًا ممن درس على المشايخ ينهجون هذا المنهج، ويدعون ما كان عليه أشياخهم.