كان شيخنا -رحمه الله تعالى- نادرة زمانه في المناظرات العلمية والمناقشات الفكرية، فكان يبدأ نقاشه بتحرير موضع الخلاف بينه وبين مناقشه، لأن كثيرًا ممن يتناقشرن يكون بينهم خلاف لعدم مراعاتهم بيان ذلك أو لاختلافهم في المصطلحات، فيضيع جهدهم سدى، ويكتشفون فيما بعد أنهم على وفاق، ثم يطلب من محاوره الكلام وعرض رأيه مع بيان الدليل والبرهان، ويستمع بكل أدب وإصغاء وانتباه إلى حديثه ودون أن يتدخل أو يقاطع، وما أكثر من رأينا من المتناقشين يكثر المقاطعة والتدخل! ويكون فكره مهتمًا بالرد، فيصرفه ذلك عن الانتباه والوعي لكلام محاوره، فيحدث الشجار والخصام، فإذا انتهى محاوره من عرض رأيه وبيان دليله، أخذ الشيخ بتلخيص كلام محاوره، ثم رد عليه نقطة نقطة بكل وضوح وجلاء، وإذا أورد الآخر شبهة جديدة، أو جوابًا على كلامه عاد فاستمع إليه ئم أجابه، وهكذا، وقد حضرت بعض مناظراته، فكان محاوره كثيرًا ما يحيد عن الجواب حينما يجد الحجة القوية، فيعيده الشيخ إلى الموضوع والنقطة التي وصل الكلام إليها بكل لطف وأدب.
وقد تعلمنا منه أدب الحوار، وطريقة النقاش، وإن كنت أعترف أنني وغيري لم نبلغ معشار ما كان عليه من الهدوء والسماحة والانضباط.
6 -نشاطه وحماسه في الدعوة ونشر العلم:
كانت الدعوة السلفية في بلاد الشام قبله ينقصها الفهم الواضح الشامل السديد، كما كانت تفتقد إلى الحيوية والنشاط والاندفاع اللائق بها، فقد كان هناك بعض المشايخ والدعاة المؤمنين بعقيدة السلف ومنهجهم في الجملة، ولكن كان ينقصهم الوضوح والصراحة والجرأة، فكانوا يبثون الدعوة بين محبيهم وتلامذتهم في نطاق ضيق ومحدود وعلى تخوف واستحياء، كما كانوا غير متمكنين في علم الحديث، فكانت الدعوة محصورة بين القليل من طلاب العلم، وفيها بعض الغبش.