قلت: وهذه الطرق جميعها ليس فيها قصة المرأة ومعارضتها لعمر، وفي ذلك تنبيه لأهل العلم إلى احتمال ضعفها لشذوذ أو نكارة فلننظر في سندها إذن لنتبين مبلغ صحة هذا الاحتمال:
لقد ساق الحافظ ابن كثير إسناد أبي يعلى بتمامه من طريق"ابن إسحاق حدثني محمد بن عبد الرحمن عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق قال". فذكره، وقد اختصر إسناده الأستاذ وهبي فلم يحسن.
قلت: وفي هذا السند علل:
1 -ضعف مجالد بن سعيد، ولا أريد أن أطيل على القراء بذكر أقوال العلماء في تضعيفه، وانما أقتصر على ذكر قول حافظين من الحفاظ المتأخرين المحيطين بأقوال المتقدمين، وهما الحافظ الذهبي والحافظ العسقلاني، فقال الأول في"الميزان":"فيه لين". وقال الحافظ العسقلاني في"التقريب":"ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره".
2 -الاختلاف في سنده، فقد رواه ابن إسحاق عن مجالد عن الشعبي عن مسروق، كما تقدم، وخالفه هشيم فقال: حدثنا مجالد عن الشعبي قال: خطب عمر بن الخطاب. . .
أخرجه البيهقي (7/ 233) وقال:
"هذا منقطع".
قلت: وذلك لأن الشعبي واسمه عامر ين شراحيل لم يسمع من عمر وادخال ابن إسحاق بينهما مسروقًا مما لا يطمئن القلب له، لتفرد ابن إسحاق به، وقد علم كل مشتغل بهذا الفن أن في تفرده نكارة، قال الذهبي في خاتمة ترجمته:"حسن الحديث، صالح الحال، صدوق، وما انفرد به، ففيه نكارة، فإن في حفظه شيئًا".
قلت: وقد خالفه هشيم، وهو ثقة ثبت كما في"التقريب"وهو قد أرسله، فروايته هي المعتمدة.
ومما سبق يتبين أن في إسناد هذه القصة علتين:
ضعف مجالد، والانقطاع.
وإذا كان الأمر كذلك، فقول الحافظ ابن كثير:
"إسناده جيد قوي" (2) . غير قوي، بل هو سهو منه -رحمه الله- لا يجوز لمن يبين له أن يقلده، لا سيما مع إعلال الحافظ البيهقي إياه بالانقطاع.