قلت: وهذه هفوة من الشيخ -حفظه الله-، فمن أين له أنه لم يكن في الصحابة إلا هذا العدد من المفتين؟! ونحن نقطع بأنهم كانوا أكثر من ذلك بكثير لأنه اللائق بفضلهم وصحبتهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- وإن كنا لا نستطيع أن نعين عددهم إلا أنه قد نص من قوله حجة في هذا الموضوع على عدد أكثر مما ذكره الشيخ، بل جزم بأن كل من تشرف بصحبته -صلى الله عليه وسلم- والتلقي من علمه أفتى الناس، فقال الإمام ابن حزم (23) :"وكل من لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخذ عنه أفتى أهله وجيرانه وقومه، وهذا أمر يعلم ضرورة، ثم لم ترو الفتيا في العبادات والأحكام إلا عن مائة ونيف وثلاثين منهم" (24) .
(1) مقال للشيخ الألباني نشر في مجلة المسلمون (5/ 172 - 176، و 280 - 285، و 463 - 470، و 913 - 916) .
(2) قال الشيخ محمد الخضري -رحمه الله- بعد أن تكلم عن التشريع في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم في عهد الصحابة، ثم في عهد التابعين، إلى منتصف القرن الرابع:
"الدور الخامس وهو دور القيام على المذاهب وتأييدها. . ."
لا شك أنه كان في كل دور من الأدوار السابقة مجتهدون ومقلدون، فالمجتهدون هم الفقهاء الذين يدرسون الكتاب والسنة، ويكون عندهم من المقدرة ما يستنبطون به الأحكام من ظواهر النصوص أو من منقولها، والمقلدون هم العامة الذين لم يشتغلوا بدراسة الكتاب والسنة دراسة تؤهلهم إلى الاستنباط، أما في هذا الدور فإن روح التقليد سرت سريانًا عامًا واشترك فيها العلماء وغيرهم من الجمهور، فبعد أن كان مريد الفقه يشتغل أولأ بدراسة الكتاب ورواية السنة اللذين هما أساس الاستنباط، صار في هذا الدور يتلقى كتب إمام معين، ويدرس طريقته التي استنبط بها ما دونه من الأحكام، فإذا أتم ذلك صار من العلماء الفقهاء"."