لقسوة المعيشة في ذلك الزمان، وقد تعاطى بعض رجال القرية الأسفار لطلب المعيشة وعادوا إلى أهاليهم بحالة طيبة، أغرت منهم، فسافرت إلى أرض الحبشة مع أخي الأكبر، ومكثنا سنتين، وعدنا إلى الوطن وأقمت فيه سنة واحدة في خلالها تزوجت، ثم عدت إلى أرض الغربة في هذه البلاد، وقد كانت الحبشة في ذلك الزمان مقصد هجرة العرب، لأنها أرضٌ خصبة منعمة، أوديتها أنهار متدفقة وغاباتها خضراء متجاورة، وشلالات جبالها منحدرة هادرة، وتجارة الدنيا فيها رابحة، والأعمال فيها متوفرة وميسرة، عشت فيها عدة سنين تعرفت من خلالها على الجالية العربية المصرية في مدينة (أسمرة) عاصمة أريتريا، يمثل هذه الجالية رجال فضلاء من علماء الأزهر، وأنصار السنة المحمدية، أسسوا مدرسة لأبناء المسلمين هناك ولهم دور متواصل في الدعوة إلى الله تعالى.
نداء العودة للوطن:
التحقت بهم واستفدت من علمهم وتنظيم دعوتهم، وكنت أتذكر افتقار بلدي ووطني إلى مثل هذه الحركة الدعوية المباركة، بل وكنت أضمر في نفسي أن لو رجعت إلى وطني سالمًا لحاولت تنظيم مثل هذه الدعوة، وفي يوم من الأيام أحسست بألم شديد في بطني فحملت إلى المستشفى وقرر الأطباء عملية لاستئصال الزائدة في الصباح الباكر، صرفوا لي مُسَكِّنًا وعدت إلى سكني على نية المسراح إلى المستشفى مبكرًا لإجراء العملية، وما أن وصلت السكن وجدت خطابًا وصل من البريد وفضضت الظرف وإذا به من والدي فيه أبيات شعر قرأتها فاستثارت شعوري وعزمت على السفر في تلك اللحظة ناسيًا ألمي وموعد العملية، وبالفعل سافرت صبيحة تلك الليلة إلى مدينة (مصوع) ميناء أريترية، لألتمس جارية مسافرة إلى جيزان أو القحمة أو القنفذة فوجدت إلى القنفذة وفي الأثناء أشتد ألمي وذهبت إلى رجل يمني يكوي، فكواني (5) كيات على الصرة وما حولها ومنها إلى الآن من فضل الله تعالى لم أعمل عملية الزائدة.
أما أبيات الشعر، فأذكر بيتين وهما الشاهد على اهتمامي السريع للسفر، وهما كما يلي: ـ
ليت الغريب قريبًا غير مبتعد سدَّ البحار فَيا وَجْدي على عَضُدِي
ليت الغريب قريبًا غير مبتعد
ما هُمْ بردَّين عنيَّ الموت لا وَبَلا لكن ليرضَى الفؤاد وترتوي كبدِي
ويليه طرف من قصيدة شعر شبعي، يدل على ما دل عليه البيتان السابقان هو:
مُحمدْ إن كان في رأسكْ ترى شيمه فأحسب نهارَكَ وليلكَ من ليَالينا
ولا تقُول أيَّ شهرٍ فيه مَاتَ أبي
وصلت ولكن رحل الوالد:
واصلت السفر بصحة تامة ولم يعترضني أي عائق في مواصلة السير، رغم صعوبات الأسفار في ذلك الزمن، حتى وصلت بحمد الله إلى الموطن والبيت، وقابلت أبي وقبلته بحرارة شديدة، وهو كذلك، حتى ظننت أن روحي ستفارقني من شدة الفرح بوجود والدي ولقائه، وشدة الحزن من ما حل به من المرض ونحول الجسم، وسعدت بمصاحبته وخدمته مع إخواني وأهل بيتي وأقاربي حتى توفاه الله تعالى في شهر رمضان المبارك عام (1366) هـ رحمه الله رحمة الأبرار، وألحقنا به جميعًا ونحن من الصالحين الأخيار، وفي أيام العزاء، كنت لا أستطيع مقابلة الناس، ولا أملك نفسي من البكاء من شدة الحزن، ووفد إلى العزاء فيه جموع كثيرة من غامد وزهران وبني عمر وغيرهم من القبائل وكلهم يذكر محاسنه ودوره الكبير في الإصلاح بين الناس ويدعون له بالرحمة، رحمة الله وغفر له.
السفر إلى المدينة:
وما أن كنت منزويًا في البيت يومًا بعد وفاته رحمه الله وإذا بقارع باب الدار في باكورة النهار، وإذا به عمي (أبو أم أبنائي) رحمه الله تعالى، تحدث معي بما أزال عني بعض همومي وأحزاني، وندبني إلى السفر صحبته، إلى المدينة المنورة ومنها إلى خيبر لطلب المعيشة هناك، وبالفعل سافرنا، وفي خلال إقامتي في خيبر، وقد فتحت متجرًا وفي يوم من الأيام جلس عندي في مقدمة الدكان ثلاثة أشخاص أحسبهم من أخوياء الإمارة، كل منهم يسأل الآخر عن سابق عمله، وفي أي منطقة قد عمل وماهي عادة أهل الوطن وتكلم كل منهم بما بدى له وذكر أحدهم أنه كان خويًا في إمارة الظفير وتحدث عن بعض العادات المخالفة للشرع من باب: الاستئناس والإخبار لا من قبيل الانتقاد لأنه جاهل، فأحسست بألم، فرديت عليه بقولي: إن هذه العادات توجد في جميع مناطق المملكة إلا القليل وها هي أمامنا في هذا السوق رأي العين وكان لا يعرفني ممن أنا.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)