مختلفين إلا من رحم ربك ...""
وكان له- رحمه الله- عناية كبيرة بالنفقة في سبيل الله, وسد حاجة المعوزين, والفقراء والمساكين, وغيرهم من أهل الحاجة, وربما قطع مئات الكيلومترات بحثًا عنهم في المحافظات والقرى ... , وكان من النماذج العجيبة في بذل المال, وإنفاقه في سبيل الله, حتى يعود بالذاكرة إلى الرعيل الأول, ولم يكن- رحمه الله- يرد سائلا, بل كان الفقير يطرق بابه, فيعطيه من المال ما قسمه الله له, ثم يطرق الباب, فيعطيه أخرى, وأحيانًا يصرُّ الفقير على طلب المزيد من المال, فيدخل المنزل قسرًا, ويلحف في المسألة, حتى ينال من المال ما سأل, وربما طلب ثيابًا .. , فأعطاه من ثيابه .. , حتى ربما لم يبق من ثيابه إلا ثوبين أو ثلاثة, ومرة دخل البيت وهو حاسر الرأس, وإذا بسائل خلف الباب, قد سأله كوفية- شماغا- فنزعها من رأسه, وأعطاها إياه, إرضاء له, وتقللا من الدنيا, وزهدًا فيها ... , وله من المواقف العجيبة ما يقف أمامها السامع مندهشًا, أو ربما مكذبا!! وهل تصدقون أيها القراء الكرام: أنه كان في بيته, يضيِّف الفقراء- بنسائهم أحيانًا- لأيامٍ عدة, حتى تنقضي الحاجة, وكم كانت ملاحق البيت فترة من الزمن ملاذًا لعدد من الإخوة القادمين من المغرب, أو الجزائر, أو موريتانيا ... الخ, ممن أحوجهم العوز, وقلة ذات اليد ..
وكان له رحمه الله اهتمام بالعبادة, ولاسيما قيام الليل, وقراءة القرآن, فكان يقوم من الليل منذ كان عمره ثمانية عشر عامًا لمدة ساعتين يوميًا, حتى أنهكه المرض, ثم جعل يقسم صلاة الليل قبل النوم وبعده, ونادرًا جدًا ما كان يفوته قيام الليل, وكان إذا غلبه النعاس آخر الليل اغتسل؛ ليطرد عنه النوم, أو بلل طاقيته بالماء, ووضعها على رأسه وهو يصلي, وربما كرر ذلك مرات عدة في الليلة الواحدة!!
وكان رحمه الله يختم كل سبعة أيام, وفي الشهور الأخيرة من حياته كان يختم كل ثلاثة أيام, ولم يكن لسانه يفتر من ذكر الله ...
ومن أبرز صفاته, وأخصها, أنه كان طويل الصمت, تحسب كلماته في اليوم, وتعد عدًا, حتى ربما أحصاها العاد في اليوم والليلة, وأقدِّر متوسط كلماته خلال أربع وعشرين ساعة بما لا يزيد على ثلاثين أو أربعين كلمة تقريبا, وأحيانًا أقل من ذلك!! وإذا تكلم فهو فيما يرضي الله تعالى, وأحيانًا يمازح مجالسيه, ويحاول إدخال السرور في نفوسهم ...
وكان له اهتمام خاص بقضايا المسلمين, ولاسيما في فلسطين والعراق وأفغانستان .. , وكان إذا جاءه الضيف, وعنده خبر عن المسلمين في مكان ما, تلهَّف لذلك, وأرعى له سمعه, وأخذ يطرح عليه الأسئلة تلو الأسئلة عن أخبارهم, وإذا جاءه عنهم خبر سار تهلَّل لذلك, وظهر ذلك في أسارير وجهه طيلة اليوم, وأخذ يبشِّر بذلك من يقدم عليه, فيقول مثلا للضيف: اليوم فكَّوا الحصار عن غزة والحمد لله, أو بالأمس المقاومة العراقية قتلت سبعة من الجنود المحتلين, أو الداعية الفلاني دخل على يديه في الإسلام كذا ألف في أفريقيا ... , وهكذا, فقد كان غيورًا على قضايا المسلمين, يشعر بمآسيهم, ويتألم لآلامهم, ويحزن لأتراحهم, ويقدم لهم ما يقدر عليه ... , فرحمه الله رحمة واسعة, وأسكنه فسيح جناته.
ومن صفاته الطيبة, اهتمامه بصلة الرحم, بل ويهتم بصلة أهل الخير عمومًا من الأصحاب, والجيران, ونحوهم, لا يخص غنيًا عن فقير, ولا يؤثر كبيرًا عن صغير, وكان يتعاهد بالزيارة حتى جيرانه في حيه القديم الذي انتقل منه, بل كان يتعاهد بالزيارة من يحبهم في الله في المحافظات والقرى والمدن البعيدة, وقديمًا كان يسافر بسيارته من الرياض إلى أبها- مثلا- ليزور اثنين ممن تربطه بهم المحبة في الله, ثم يغادر أبها في نفس اليوم, واستمر على ذلك فترة طويلة من الزمن حتى تقدم به السن, وأذكر أنه وقع له حادث قبل أكثر من خمس وعشرين عاما, وهو في طريقه من الطائف إلى أبها, وكان الباعث على ذلك السفر؛ تلبية لدعوة وليمة عرس لأخٍ كان يحبه في الله, وقد أشرف على الموت بسبب ذلك الحادث, ثم بقي طريحًا على الفراش أيامًا عدة ... , وبعد أن شفي من مرضه لم ينقطع عن قطع هذه المسافات لغرض الزيارة ... !
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)