د. موراني: نعم تطورت مسيرة الاستشراق كما تطورت العلوم الإنسانية الأخرى. كان هذا التطور مرتبطًا بالاتجاهات العامة في تلك العصور حينًا، وبالسياسةِ في تلك العصور حينًا آخر. وكانت هذه التطورات إيجابيةً وسلبيةً معًا بحسبِ العصر، وخاصةً في العلوم الإنسانية. وكان لبعض المستشرقين أَثَرٌ هامُّ وإيجابيٌّ على هذا التطور، وكان للبعض الآخرِ أثرٌ سلبيٌّ. أَمَّا هذا الأخيرُ فلا ذِكرَ له في الدراساتِ المُعاصرةِ على الإطلاقِ، لا نَقدًا ولا ذِكرًا في الكتب المعاصرة.
ودعني أضربْ مَثلًا واحدًا لهذه الظاهرة، وهي مرتبطة بشخصيةٍ واحدة في الاستشراق الألماني:كارل بروكلمان، لقد قام بخدمةٍ كبيرةٍ بتأليفهِ كتاب (تأريخ الأدب العربي) في 5 مجلدات. أَما كتابهُ (تأريخ الشعوب والدول الإسلامية) فلا ذِكْرَ له منذ الخمسينات تقريبًا إلى اليوم. أَما دراساتهُ في اللغات الساميَّةِ وتأريخها، فما تزالُ قواعدَ لدراسةِ هذه المواد، وتعليمها حتى اليوم.
شبكة التفسير: لا تزال البعثات الطلابية تتجه للغرب لدراسة التفسير والحديث والفقه بل واللغة العربية في الجامعات الغربية، فما تقويمكم لقيمة مثل هذه الدراسات لدى الجامعات الغربية؟ والفائدة العلمية المترتبة عليها للجامعات الغربية وللطلاب المسلمين أيضًا؟ وهل ترى حاجةً لمثل هذه البعثات في ظلِّ وجود جامعات إسلامية تفي بالحاجة في العالم الإسلامي؟
د. موراني: القضيةُ التي يلمسها هذا السؤالُ من طريقٍ مباشرٍ وموضوعي , يشغلني منذ أعوام فأتساءَلُ معكم: ما هي الفائدةُ التي تترتب على هذه البعثات والدراسات في الكليات الأوروبية؟! وهل هناك حاجة تدعو إلى هذه البعثات من الدول الإسلامية؟!
نعم , إِنَّنا لسعداءُ أَن نقبلَ، ونُضيفَ طلبةَ العلمِ من الدول العربية لكي يشاركونا في الدراسات الإسلاميةِ , وهي - في الغالب - تختلفُ من حيث المنهجية عن الدراسات في الجامعات الإسلاميةِ كُلَّ الاختلاف. إنَّ الإقامةَ والدراسة في المعاهد الاستشراقية قد تكونُ مفيدةً لِمَن يستطيع التمييزَ بين المنهجينِ العِلميينِ: الإسلاميِّ كما في بعض الدول العربية والإسلامية، والعَلمانيّ كما هي عندنا في أوربا.
لقد شاركني بعض الإخوة من الدول العربية في أبحاثي، وقد استفدتُ من علمهم؛ لأَنَّهم كانوا من المتخرجين من جامعاتٍ إسلاميةٍ، ولديهم إلمامٌ بدرجةٍ ما، وهم في الآنِ نفسهِ تعلّموا مِنّا الاقترابَ اللاديني من هذه الحضارة الإسلامية، التي لا يَشكُّ في عَظَمتِها أَحدٌ من المستشرقينَ المنصفين على المستوى الأكاديمي. والفائدة من هذه البعثات قد تكونُ الحوارَ المتبادلَ الجِدِّيَّ في مسائلِ البحث العلمي من أجلِ المعرفةِ، لا مِنْ أجلِ إقناعِ الطرفِ الآخرِ بأَولويةِ مَعاييرِ دِينه.
ومِنْ هُنا أَظنُّ أَنَّه على الجامعات الإسلاميةِ إيفادَ طلاب مؤهلين إلى جامعاتنا لكي يتعرفوا على واقع الاستشراق الراهن، وما هو بصدده حقيقةً، وأَن ينقلوا الخبرات والتجارب العلمية في البحث لجامعاتهم وكلياتهم في العالم العربي والإسلامي. ولا شك بأَنَّ إتقان اللغة الألمانية شرط لقبولهم في الجامعات الألمانية، وبقية الدول الأوربية تشترط ذلك في المتقدمين للدراسة في معاهدها وجامعاتها.
شبكة التفسير: ما هي أهم المجلات الاستشراقية التي عنيت بالدراسات القرآنية؟ وهل هي باللغة العربية أم بغيرها؟ وما هي المدارس التي تنتمي إليها هذه المجلات والدوريات؟ وأين تصدر؟
د. موراني: ليست هناك مجلة خاصة بالدراسات القرآنية حسب علمي. وفي ألمانيا عدة مجلات استشراقية تصدر مرة أو مرتين في العام. أما الدراسات والمقالات فيها فتشمل جميع الميادين الاستشراقية، إلا أَنَّ هناك مجلة متخصصة في دراسة التطورات الحديثة في العالم الإسلامي: في الأدب , والشعر، والفقه المعاصر، والحديث الخ.
والمشاركون في هذه المجلات يكتبون باللغات الأوروبية الألمانية , والانجليزية , والفرنسية , والأسبانية وغيرها ولا يكتبون بالعربية. وتصدر هذه المجلات في كليات الجامعات الألمانية. وإليكم بعض الأسماء لهذه المجلات
( مجلة جمعية المستشرقين الألمان)
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)