-فمن هؤلاء الذين يرون التفريق بين المتقدمين والمتأخرين فيما يظهر، ويرون أن لفظ الصوفية أضحى لفظًا مجملًا للتباين على من أطلق عليهم قديمًا وحديثًا، الشيخ الأستاذ الدكتور عبدالعزيز العبد اللطيف، صاحب نواقض الإيمان القولية والعملية، وصاحب الكتاب الشهير دعاوى المناوئين لدعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب، وهو غني عن التعريف، يقول في مقال له نشر في البيان العدد 213 جمادى الأولى 1426:"ولما كان أهل السنة والجماعة يعلمون الحق ويرحمون الخلق، فقد بينوا ما في هذا التصوف من إجمال يحتاج إلى تفصيل، وتحدثوا بعلم وعدل عن مفهومه وإطلاقاته. يقول ابن تيمية: (لفظ التصوف قد أدخل فيه أمور يحبها الله ورسوله، فتلك يؤمر بها وإن سميت تصوفًا؛ لأن الكتاب والسنة إذا دل على استحبابها لم يخرج عن ذلك بأن تسمى باسم آخر، وقد أدخل فيها أمور يكرهها الله ورسوله، كما يدخل فيه بعضهم نوعًا من الحلول والاتحاد، وآخرون نوعًا من الرهبانية المبتدعة في الإسلام. والمؤمن الكيس يوافق كل قوم فيما وافقوا فيه الكتاب والسنة، وأطاعوا فيه الله ورسوله، ولا يوافقهم فيما خالفوا فيه الكتاب والسنة أو عصوا فيه الله ورسوله) [الفتاوى 11/ 28 - 29 باختصار وتصرف] ، وقال الشاطبي: (وأما الكلام في دقائق التصوف، فليس ببدعة بإطلاق، ولا هو مما صح بالدليل بإطلاق، بل الأمر ينقسم. ولفظ التصوف لابد من شرحه أولًا، حتى يقع الحكم على أمر مفهوم؛ لأنه مجمل عند هؤلاء المتأخرين) ، ثم ساق الشاطبي رحمه الله المعاني الصحيحة والفاسدة في التصوف [انظر: الاعتصام 1/ 265 - 269] ."إلى أن قال:"وهذا ما ارتكبه بعض فضلاء هذا العصر؛ حيث قرروا (الصوفية الحقة) التي كان عليها الجنيد والفضيل -رحمهما الله تعالى- ونحوهما؛ فأوقعوا بذلك التقرير لبسًا وشكًا في انحراف الصوفية المعاصرة، وتهوينًا لحالهم .."إلى آخر ما ذكره في تقرير انحراف هؤلاء المتأخرين والتحذير من التشويش بالأولين الذين لاوجود لهم في أرض الواقع. وكلام الشيخ الدكتور كلام جيد يبين تفريقه بن المتقدمين والمتأخرين، ويبين فقهه لواقع هؤلاء الأدعياء المتأخرين، إلاّ أنه فيما يظهر ولم يقله يستدرك على ما نسب للشيخ الدكتور عبدالعزيز القاري، بناء على ما نشرته بعض الجرائد مختزلًا فأوهمت أمرًا غير مراد الشيخ القاري، الذي ما ذكر ماذكره مقررًا لصواب المعاصرين، بل ساقه في إطار دعوتهم إلى ما كان عليه سلفهم ولم يقرر أبدًا ما أوهمته بعض الجرائد من تصويب لحال بعض الطرق المعاصرة، وهو ما تولى الشيخ عبدالعزيز العبداللطيف الرد عليه، وقد أحسن يوم احتاط فجعل مقاله غير مسمى، وفلم يوجه فيه الخطاب لأحد بعينه، فكان جوابًا عما يصلح في الرد على إيهام الصحف. ولو كان أكثر احتياطًا فلم يذكر الإشارة بقوله:"بعض الفضلاء"قبل التحقق لزاد إلى خيره خيرًا. ولاسيما أن الشيخ عبدالعزيز القاري معروف بعقيدته السلفية فلا ينبغي أن يظن به سوءًا.
-ومن نافلة القول أن يقال من هؤلاء فضيلة الشيخ العلامة الأستاذ الدكتور عبدالعزيز القاري حفظه الله.
-ومن هؤلاء أيضًا فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور مصطفى حلمي عندما ذكر اتجاه المعارضين للتصوف من الفقهاء والمتكلمين قال:"وربما يمثله اتجاه ابن الجوزي، وهذا الاتجاه لايسلم من التحيز، ويفتقد النظرة العلمية الصحيحة، إلى جانب تأثره بشيخه ابن عقيل ..."، إلى أن قال:"الثالث: الموقف الوسط ويعبر عنه أمثال ابن تيمية وابن القيم وابن خلدون، إذ يؤيدون الاتجاهات الصوفية المطابقة للكتاب والسنة، ويعارضون بشدة مذاهب التصوف الفلسفي عن الحلاج والسهروردي المقتول وابن عربي ومن سلك مسلكهم"قرر هذا في كتابه ابن تيمية والتصوف ص6،
وللشيخ عدة مؤلفات في هذا المعنى أهمها: التصوف والاتجاه السلفي في العصر الحديث، وأعمال القلوب بين علماء السنة والصوفية، مع المسلمين الأوائل في نظرتهم للحياة والقيم، ابن تيمية والتصوف، ومعرفة الله وطريق الوصول إليه عند ابن تيمية.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)