فإن العمل الصالح المقبول هو ما أمر الله به ورسوله دون شرع من الدين الذي لم يأذن به الله". فهل ترى أن هذا مقصودًا يشنع على قائله؟ إذا قلت نعم فشنع على الإمام أحمد إذًا!!"
قال شيخ الإسلام بعدها (ص 203) :"مع أن أحمد من أعظم الناس قولا لما قصده السري من الفرق بين المأمور وغير المأمور، وهو من أعظم الناس أمرا بالعمل المشروع ونهيا عن غير المشروع."
ثم حكاية السري لعله لم يرد بالحروف إلا المداد الذي تكتب به الحروف فسجدت. فإنه قال فسجدت له إلا الألف فقالت لا أسجد حتى أومر. وهذا إشارة إلى انتصاب الألف وانخفاض غيرها، وهذا صورة ما يكتب به من المداد. وأما الحروف التي أنزلها الله في كتابه فلا يختلف حكمها باختلاف ما يكتب به من صورة المداد، ولعل هذا أيضا هو الذي قصده في حكاية ابن عطاء إن كان لها أصل"."
وبعد هذا كله فإن السري بعدها بين أنه لم يقلها ذاكرًا بل آثرًا أي لايريد بها ما قد يفهم منها من القول بخلق القرآن بل كان ذاهلًا عن هذا المعنى الذي أنكر عليه، وبهذا لم يبق وجه لذمه بذلك القول.
وأما كلامه في الحارث المحاسبي فقد كان لأجل ما سمي هنا من صحبة بعض الجهمية الذين خرجوا به لأقوال مبتدعة، غير أنه تاب منها، ولم يكن لأجل تنسكه وعبادته، وكنت قد كتبت لك ردًا في هذا قديمًا لم تجبه بما يذكر.
ولابأس أن أعيد مذاكرت ما كتبته بعد أن نفرغ مما بدأته من اتهام للجنيد بما لايثبت عنه فلنا عودة إلى تفاصيل كل هذا إن شاء الله.
-أما ما نقلته عن عبدالرحمن بن مهدي: فليتك نظرت في إسناده لتعلم أن الراوي عنه لاتقوم به حجة!! ومع ذلك فإني لا أخالفك في وجود مجانين منهم وفي وجود زنادقة، ولكن أئمتهم يتبرأون منهم ويرونهم دخلاء عليهم.
-أما كلام ابي زرعة ففي رجل معين، وليس في طائفتهم وسبق أن ذكرت لك أن ذلك الرجل وهو الحارث المحاسبي تكلم فيه حتى كبار أولئك كسري السقطي، وحذروا منه. على أن ذلك كله لتأثره بالمتكلمين رحمه الله وقد رجع عن ذلك والحمد لله، وتفصيله نعود إليه إن شاء الله بعد.
ولعل العرض السابق يظهر لك إن قمت لله متفكرًا منصفًا أنه ليس في أحد من المتقدمين من حكم على أئمة المتصوفة المتقدمين بمثل حكمك؛ قبورية، زنادقة. عفا الله عنك وتداركك برحمته فإن هذا تكفير يكاد أن يكون صريحًا إذا أنزل على معين.
وبهذا يتضح شيء من تحقيق أكابر المشايخ المعاصرين الذين سميتهم لك ونقلت بعض كلامهم كابن إبراهيم وابن جبرين وبذلك يبين وجه قول الشيخ العلامة عبدالعزيز الراجحي عن الجنيد:"والظاهر أنه من الصوفية المعتدلين".وهو قول علماء الإسلام قبلهم.
-ونصيحتي لك أخي الحبيب قبل أن تحكم على شخص أو طائفة أن تتدبر كلام المعلمي -رحمه الله-الآتي، ولاسيما أن الكلام الذي يروى وينقل في طعن الأئمة على بعضهم أو طعن بعضهم على فضلاء دونهم، أو طعن من هم دونهم عليهم أكثر من أن يحصر، وقد قال الذهبي -لو لم تخني الذاكرة- لو شئت أن أكتب كراريس في مثل هذا لفعلت. هذا معنى كلامه رحمه الله وهذا الكلام المشار إليه بعضه بحق وأكثره بباطل، وما كان بحق فبعضه لقائليه عذر في قوله وبعضه ليس لهم عذر في قوله وهو خطأ وإن ثبت عنهم، وما كان لقائليه عذر في قوله فبعضه لمن قيل فيهم عذر له وبعضه ليس لمن قيل فيهم عذر. ومن لم يكن لهم عذر فيتعين على أمثالنا في بعضهم أحيانًا التماس العذر ما أمكن، وفي أحيانًا أخرى لا. ومن لم يستقم منهجه في الحكم على الرجال أو الطوائف أوشك أن يقع في الزلل.
وأنت تعلم أن أبو حنيفة أثر عن بعض السلف تكفيره وممن! من الحميدي وأضرابه من جبال العلم. والإمام مالك شهر به وجلد، وإمام السنة أحمد ابن حنبل رمي بالزندقة والكفر وسعي في ضرب عنقه، وشيخ المحدثين وأستاذ الأستاذين البخاري -رحمه الله- بدع وهجر وأخرج وتكلم فيه وفيمن تكلم من! شيخه الإمام محمد بن يحيى الذهلي، ومثله ابن حبان أخرج واتهم في دينه. وهذا في القرون المتوسطة كثير وحسبك أن ابن تيمية كفر، وسعى بعض كبار قضاة المذاهب في ضرب عنقه، ولايزال إلى اليوم كتاب الحصني يطبع، وأقوال العلاء البخاري تنشر، وكذا البقاعي وأضرابهم وابتلاء أصحابه وأتباعه كثير يعرفه كل مطلع على كتب التراجم. ومحن أهل الفضل والعلم على مر التاريخ كثيرة بل وفي الحاضر أيضًا، فابن سعدي أنكروا عليه مسألة
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)