فمن ذلك ما حكاه الله سبحانه وتعالى عن قوم نوح عليه الصلاة والسلام حين قالوا له: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} [الشعراء: 111] ، وقولهم كذلك: {ما نراك إلاَّ رجلًا مثلنا وما نراك اتبعك إلاَّ الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين} .
فكان جواب نوح عليه الصلاة والسلام المفحم لهم: قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بيِّن من ربِّي وآتاني رحمةً من عنده فعُمِّيت عليكم أنُلْزِمكُمُوْها وانتم لها كارهون ? وياقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجريَ إلاَّ على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنَّهم ملاقوا ربِّهم وكنِّي أراكم قومًا تجهلون ? ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذّكَّرون ? ولا لأقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرًا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذًا لمن الظالمين.
ولهذا كان جوابهم بعد نفاد حججهم الباطلة: {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ? قال إنَّما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ... الآيات} [هود: 27 - 32] .
وقال سبحانه وتعالى حاكيًا عن آخرين: {فقالوا أبشر منا واحد نتبعته إنا إذًا لفي ضلال وسعر? ءأنزل عليه الذكر من بيننا بل هوكذَاب أشر} .
فكان الردُّ عليهم: {سيعلمون غدًا من الكذَّاب الأشر} [القمر: 24 - 26] .
واحتجَّ بعضهم فقالوا: {وقالوا نحن أكثر أموالًا وأولادًا وما نحن بمعذَّبين} فكان الردَّ بقوله: {قل إنَّ ربِّي يبسط الرزق لمن يشاء وقدر ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون ? وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقرِّبكم عندنا زلفى إلاَّ من آمن وعمل صالحًا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرُفات آمنون} [سبأ: 35 - 37] .
وكذا احتجاج مشركي مكة على النبي صلى الله عليه وسلم: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا ? أو تكون لك جنَّةٌ من نخيل وعنب فتفجِّر الأنهار خلالها تفجيرًا ? أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفًا أو تأتي بالله والملائة قبيلًا ? أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيِّك حتى تنزِّل علينا كتابًا نقرؤه} .
فردَّ عليهم بقوله: {قل سبحان ربِّي هل كنت إلاَّ بشرًا رسولًا ? وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جائهم الهدى إلاَّ أن قالوا أبعث الله بشرًا رسولًا ? قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزَّلْنا عليهم من السماء ملكًا رسولًا} [الإسراء:90 - 95] .
3 -ومن الأمثلة: أنَّ بعض المشركين - وهو: عبدالله بن الزبعرى - حين سمع من الوليد قوله سبحانه وتعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنَّم أنتم لها واردون ? لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون ? لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون} [الأنبياء: 98 ـ 100] .
قال: أما والله لو وجدت محمدًا لخصمته؛ فسلوا محمدًا: أكل ما نعبد من دون الله في جهنَّم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرًا والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن مريم
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم كلُّ من أحبَّ أن يُعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنما يعبدون الشياطين ومن أمرهم بعبادته، فأنزل الله قوله: {إنّ الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ? لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت انفسهم خالدون ? لايحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون} [الأنبياء: 101 ـ 103] .
فالمعنى: أنَّ عيسى ابن مريم وعزير ومَنْ عُبِدوا من دون الله من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله فاتُّخذوا أربابًا من دون الله مبعدون عن جهنم ودخولها.
قال ابن كثير رحمه الله: وهذا الذي أورده ابن الزبعرى خطأ كبير؛ لأنَّ الآية إنما نزلت في أهل مكة في عبادتهم الأصنام، التي هي جماد لا تعقل، فكيف يُورَد على المسيح والعزير ونحوهما، ممن له عمل صالح ولم يرض بعبادته، وعوَّل ابن جرير في الجواب: أنَّ (ما) لما لا يعقل عند العرب. انظر: تفسير ابن كثير (3/ 207) ، جامع البيان (9/ 91) ، القرطبي (11/ 227) ، زاد المسير (5/ 271) ، فتح القدير (3/ 613) .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)