لكن لابد من الإشارة إلى أن الأصل أن الكلام المحكم البين يكون بريئًا من كونه محتملًا لمعنيين بينهما قدر من التباين والتنافي، الأول يسمى ظاهرًا حقيقة، والآخر يسمى تأويلًا مجازًا ..
فإن هذا لا شك أن فيه قدرًا من التناقض العقلي والتناقض اللغوي؛ بل والتناقض الشرعي؛ أي: أنه يعلم تناقضه من جهة الشرع، فإن الشرع يقضي بتناقضه وإبطاله؛ لأن الشرعيات -سواء باب الأمر والنهي أو باب الخبر- مراد الله سبحانه وتعالى في نفس الأمر من الكلام يكون واحدًا، مع أن هناك نصوصًا في الأمر والنهي قد تحتمل عند الناظرين فيها أكثر من معنى، إلا أن مراد الله سبحانه وتعالى يكون واحدًا من هذا الذي قد اختلف فيه اختلاف تضاد.
أما باب الخبر فإنه دائر بين التصديق والتكذيب، فمثلًا: قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة:228] فالقرء هنا قد يفسر بالحيض وقد يفسر بالطهر، وهذا التفسير مختلف عن هذا، لكن ليس هذا من باب الإثبات والنفي، أي: التصديق والتكذيب، أما إذا قيل: إن هذا النص الخبري -كنص من نصوص الصفات- يحتمل الحقيقة ويحتمل المجاز، ويكون المعنى المجازي منافيًا للمعنى الذي يسمى حقيقة؛ لزم أن يكون النص قد احتمل معنيين بينهما تناقض في النفي والإثبات، أي: في التصديق والتكذيب، ومن المعلوم أن من يكذب القرآن فإنه يكفر.
وإذا ما فرض عند هؤلاء أن الآيات الخبرية -وهي آيات الصفات- تحتمل معنيين متناقضين أو متنافيين؛ لزم من هذا -كضرورة عقلية- أنه قد يقع بعض المسلمين حقيقة في هذا أو في هذا، فقد يقع بعضهم في المعنى الصادق، ويقع البعض الآخر في المعنى الكاذب، ويكون هذا في باب صفات الله وكمال الله، وهذا واضح الامتناع؛ ولذلك فإن مسألة التأويل بهذا الاصطلاح مبنية على نظرية لغوية، وهذه النظرية اللغوية هي نظرية الحقيقة والمجاز.
وقد أسلفنا أن تسمية نوع من سياق العرب مجازًا والآخر حقيقة إذا ما كان من باب الاصطلاح فإنه يكون سائغًا، ولا مشاحة في الاصطلاح، وأما إذا كان ذلك من باب عوارض المعاني، فلا شك أن هذا غلط على اللغة، وغلط على الشريعة.