قوله: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) ، هذا دعاء يدعو به الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لا يكون قبره معبودًا، وفي هذا دليل على أنه لو عبد لسمي وثنًا، وهذا الذي أراد المؤلف أن ينبه عليه أخذًا من هذا الحديث: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) والفرق بين الوثن والصنم: أن الأوثان كل ما عبد من غير صورة، مثل الججر والشجر والقبر وما أشبه ذلك من المعبودات التي يطلب منها البركة ويطلب منها النفع ودفع الأذى وما أشبه ذلك، وهذه الأمور من خصائص الله جل وعلا، ولا يجوز طلبها من غيره.
والصنم: هو ما كان مصورًا على صورة آدمي، أو صورة حيوان، هذا هو الفرق.
أما إذا افترقا بأن جاء ذكر أحدهما دون الآخر فإنه يدخل فيه الآخر، ولكن إذا اجتمعا لفظًا افترقا في المعنى، كنظائرهما في اللغة العربية وهي كثيرة.
وقال بعض العلماء: لا فرق بين هذا وهذا، فيطلق الوثن على الصنم، والصنم على الوثن، واستدلوا بقصة إبراهيم مع قومه ففي موضع قال: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء:52] وفي موضع سماها أوثانًا، وفي موضع آخر سماها أصنامًا، فدل على أنه لا فرق بين هذا وهذا، والصواب أن هناك فرقًا، ويجوز أن تكون معبودات قوم إبراهيم فيها الأوثان وفيها الأصنام، فمرة يعبر عن هذا، ومرة يعبر عن هذا.
وكلها شر سواء كانت وثنًا أو صنمًا، وكلها يقع فيه الشرك الأكبر الذي من مات عليه يكون خالدًا في جهنم، ولا يجوز أن يكون عند المسلم شعبة من شعب الشرك، والشرك شعب كثيرة، ولكن الشرك الأصغر قد لا يسلم منه أحد إلا نادرًا إلا الذين حققوا التوحيد وخلصوه من شوائب الشرك والبدع والذنوب، أما أكثر الناس فإنهم لا يسلمون من شوائب الشرك الأصغر، وهذا لا يخرجهم من الدين الإسلامي، ولكنه فيه خطورة؛ لأنه قد يكون وسيلة إلى ما هو أكبر منه، ويترتب عليه عقاب، لا سيما على قول كثير من العلماء الذين يقولون: إن الشرك لا يغفر كبيره وصغيره، وليس معنى هذا القول أن الشرك كله يكون كفرًا، وليس هذا مرادهم، ولكن مرادهم: أن الشرك إذا كان أكبر فإنه مخرج من الدين وهذا لا إشكال فيه، أما إذا كان أصغر فمقصودهم بذلك: أنه لا بد من العقاب عليه قبل دخول الجنة، يعني: ما يعفى عنه، ولا يكون مثل بقية الذنوب التي قال الله جل وعلا فيها: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48] .
وهم يستدلون بهذه الآية ويقولون: إن الله جل وعلا استثنى من المعاصي كلها الشرك، والشرك يدخل فيه القليل والكثير، كما يدخل فيه الكبير والصغير، يقولون: فدل ذلك على أن الشرك الأصغر غير مغفور لصاحبه، ولا بد من عقابه وإن كان مسلمًا، ومعنى ذلك: أن الذي يموت على الشرك الأصغر بدون توبة يناله العقاب، أما على القول الآخر فإن كل ما يكون غير مخرج من الدين الإسلامي فإنه داخل في الاستثناء الذي ذكره الله جل وعلا في قوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48] .
والمقصود: أن قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) قاله صلوات الله وسلامه عليه خوفًا من وقوع ذلك، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يتوقع أن يحصل شيء من ذلك، ولو لم يتوقع ذلك لما دعا بهذا الدعاء.
الثاني: أن هذا يدل على أنه لو عبد لسمي وثنًا (اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد) .
الثالث: أن عبادته ليست السجود له، أو الاعتقاد بأنه يخلق من العدم أو أنه يحيي ويميت، أو أنه يتصرف في السماوات والأرض وفي المخلوقات، ليس هذا المراد، وإنما المراد: أن يتوجه إليه، ويسأله مع الله، ويعتقد أنه ينفع ويدفع ويجلب للسائل خير الدنيا والآخرة، ويدفع عنه شرور الدنيا والآخرة، هذا هو المقصود، وهذا يحصل من كثير من الناس الذين يجهلون الأمر، والنبي صلوات الله وسلامه عليه بين عن ربه جل وعلا بيانًا شافيًا، ولم يترك للناس عذرًا حتى يقول قائلهم: أنا أجهل هذا الأمر.