معنى قول الزهري: إن الشياطين كانوا يسترقون السمع في الجاهلية، ثم إن السماء حُرست: أن الحراسة كانت من قديم؛ ولكن شُدِّد فيها ومُنعت منهم السماء نهائيًا، فأصبحوا لا يجدون مكانًا يجلسون فيه ليركب بعضُهم بعضًا، بل يُرمون من أول الأمر، ولا يُنظَرون إلى أن يسترقوا؛ حفاظًا على الوحي الذي يوحيه الله جلَّ وعلا إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله جلَّ وعلا في ذلك عن الجن: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًَا شَدِيدًَا وَشُهُبًَا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًَا رَصَدًَا} [الجن:8 - 9] هذا في وقت مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، حُرست السماء بالشهب فأصبح الجن والشياطين لا يستطعيون أن يصلوا إلى شيء من استراق السمع، شُدِّد فيها تشديدًا عظيمًا، فأصبحوا يُرجمون، ولهذا جاء في الخبر: أنه: (لما حدث ذلك قال الشيطان -يسأل أبناءه وأولياءه-: ما ترون؟ -أي: ما السبب؟ صاروا يبحثون عن السبب- فذهب طائفة منهم ووجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن في وادي نخلة قرب مكة، فاستمعوا فقالوا: هذا هو السبب هذا هو السبب الذي منعتم به من الاستراق) أما قبل ذلك فالاستراق والرمي بالشهب كان منذ خلق الله جلَّ وعلا السماوات، وقد ذكر ذلك جلَّ وعلا في كتابه في عدد من الآيات: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًَا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} [الملك:5] فأخبر جلَّ وعلا أنه زين السماء -يعني: نضَّرها- بالنجوم كالقناديل المعلقة زينة، وأنها رجوم للشياطين يُرجمون بها، وكذلك في الآية الأخرى في قوله جلَّ وعلا: {فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًَا رَصَدًَا} [الجن:9] (يجد له شهابًا رصدًا) يعني: أنه مرصود له، فأخبر أنها مرصودة لكل شَيْطَانٍ مَارِدٍ؛ وأنهم: {لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًَا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} [الصافات:8 - 9] هذا في الشهب والنجوم، والتي يُرمى بها ليست هي من النجوم المرئية المشاهَدة التي تُرى ويُستدل بها؛ ولكن الذي يُرمى به شيء لا يُرى، أو يرمى بقسم منها بحيث يبقى المشاهَد المعيون، وهي كثيرة جدًا.
وقوله: في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وكذلك رواه مسلم في صحيحه (أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في أصحابه يومًا، فرُمي بشهاب فاستنار فقال: ما كنتم تقولون لهذا في الجاهلية؟ فقالوا: كنا نقول إذا رُمي به: إنه يولد عظيم أو يموت عظيم -يعني: من الناس، ملك أو رئيس أو ما أشبه ذلك- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه لا يُرمى بها لموت أحد ولا لحياته؛ ولكن مسترق السمع إذا ركب بعضُهم بعضًا يسترقون السمع رُمي بها، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها إلى وليه فقتله، وربما أذهب عقله فخبله -فيصبح ليس له عقل- وربما أخطأه) وهذا لحكمة يريدها الله جلَّ وعلا، وإذا أراد الله شيئًا لا يخطئه.
فهذا دليل على أنها من قديم، وكذلك الآن لا تزال يُرمى بها وإن كان الوحي قد انقطع، وكذلك في الأوقات التي لا يكون فيها وحي إلى نبي من الأنبياء يُرمى بها، فهي باقية كما كانت قبل ذلك منذ خلقت السماوات والأرض، وأوجدت لرمي الجن، فإنها رجوم لهم يُرجَمون بها، فأحيانًا يحترق الشيطان إذا أصابه الشهاب فيحرقه نهائيًا، وأحيانًا يصيبه ويذهب بقوته إما ببعض جسده، وإما أن يذهب بعقله لقوة رميه، فهو شيء عجيب جدًا.
قوله: (فيكذب معها مائة كذبة) يعني: يحتمل الأمرين: إما أن الشيطان يكذب على الكاهن أو الساحر، وإما أن الساحر أو الكاهن هو الذي يكذب كذلك، فيصبح كل واحد يكذب مائة، وهذا يدل على أن الكاهن أو الساحر لا يخبر بهذه الأمور من عند نفسه، وإنما يجعل له مستندًا وهو ما أخذه من الشيطان، والشيطان قد يكون كاذبًا وقد يكون صادقًا، وأنه يزيد على ذلك حتى يُصدَّق، وهذا يدل أيضًا على أن الكُهَّان والسحرة لهم صلة بالشياطين، هذا هو القول الصحيح من أقوال العلماء، وهو أن السحر لا يتأتى إلَّا بواسطة الشياطين، ولا يمكن أن يأتي الشيطان إلى الكاهن أو الساحر بغير شيء يقدمه الكاهن أو الساحر للشيطان، لا بد أن يقدم له عبادة، أن يعبده ويخضع ويركع له، ويذل له ويسجد، أما إذا لم يفعل شيئًا من ذلك فلا يأتيه، وإنما يأتيه إذا خضع وذل وعبَده سواءً كان كاهنًا أو ساحرًا.
وأما كون الملائكة يتكلمون بالوحي في العنان، فهذا فيما بينهم، يذكرون الشيء الذي أُمروا به، سواءً كان شيئًا يخص بعض الناس من مرض أو موت أو ولادة مولود أو ما أشبه ذلك، أو شيئًا يخص جميع الناس مثلًا كإنزال المطر أو الرياح أو ما أشبه ذلك؛ لأنهم مأمورون بهذه الأشياء، وقد أوحيت إليهم، فيخطفها الشيطان ويفرح بها حتى يضل بني آدم بذلك.