وشيء آخر من ظن الجاهلية وظن السوء هو إنكار أن الله قدر هذا الذي وقع على المؤمنين يوم أحد، وإنما ذلك بمقتضى الأسباب، وهي قوة الكفار وكون المسلمين صاروا قلة فوقع ذلك، وليس هناك تقدير سابق وعلم أزلي لله جل وعلا، وهذا تنقص لله جل وعلا؛ لأنه -كما سيأتي- لا يقع شيء من قليل أو كثير أو صغير أو كبير في الكون إلا بمشيئة الله وتقديره جل وعلا؛ لأنه هو الرب المتصرف في كل شيء، وكل ما سواه مخلوق يتصرف فيه جل وعلا كيف يشاء بمشيئته.
وكذلك كونه يظن الإنسان أنه يفعل الشيء على مقتضى المشيئة فقط بغير حكمة، كما يظنه كثير من الجهال، وإن كانوا يزعمون أنهم علماء؛ لأن كل من جهل أمر الله فهو جاهل، يقولون مثلًا: تجد الإنسان عاقلًا، تجده أديبًا، تجده لبيبًا، ثم تجده فقيرًا مدقعًا تضيق عليه وجوه الحياة في معيشته، وتجد إنسانًا أحمق جاهلًا تجد عنده من الدنيا الشيء الذي لا يستطيع أن يصرفه، ثم يقولون: هذا ليس من الحكمة، فهذا اعتراض على الله جل وعلا وهو من أقبح الظن بالله جل وعلا وأسوئه، ومن لقي الله جل وعلا بمثل هذا فهو من الهالكين الذين يستحقون عذاب الله جل وعلا.
فالله جل وعلا خلق الخلق بعلمه وتقديره ومشيئته وقدرته، ووزع عليهم أرزاقهم حسب مشيئته وإرادته وتقديره وحكمته، ولا يلزم أن يكون الإنسان عارفًا بالحكمة؛ لأن الإنسان قاصر، وقد ابتلى الله جل وعلا عقولهم هل تخضع وتنقاد لله جل وعلا ولأوامره، أو تعترض وتقف حتى في الأمور التي أمر الإنسان أن يزاولها كثيرًا، مثل أمور العبادات وغيرها مثل الوضوء والغسل من الجنابة وما أشبه ذلك.
فالعقل ليس له دخل في هذا، كون الوجه يغسل، وكون اليدين تغسلان إلى المرفقين والرجلين إلى الكعبين ويمسح على الرأس، فالصلاة لا تصح إلا بهذا، فهذا قد لا يدرك الحكمة منه كثير من الناس.
ولهذا كثير من هذه الأمور إذا ذكرها العلماء قالوا: هذا تعبدي ومعنى (تعبدي) : أنا نفعله عبادة لله وخضوعًا له سبحانه، ولو لم نعرف الحكمة، ومن ذلك كثير من أعمال الحج، مثل رمي الجمار، فقد يعترض بعض الناس على ذلك ويقول: ما الفائدة من رمي الجمار؟ وليس كما يعتقده الجهال أن الشيطان يرمى، لا، وإنما هذا منسك من المناسك نؤديه كما أمرنا، ونرمي بهذه الحصيات كما أمرنا، وليس الشيطان واقفًا هناك يرمى، الشيطان لا يقف للناس يرمونه، ولا يجوز أن يسمى شيطانًا، بل يقال: رمي الجمار منسك من المناسك، فقد يقول -مثلًا- بعض الناس: ما الحكمة في هذا؟ وكون الناس يتزاحمون على هذا المكان يرمون بهذه الحجارة لا نرى له نفعًا دنيويًا، ولا نرى شيئًا يمكن يقابل ما يقع من الزحام ومن الموت أحيانًا! نقول له: هذا أمر تعبدي، أمر الله جل وعلا عباده بذلك، فما عليهم إلا أن يخضعوا ويذلوا.
ومن ذلك المبيت بمنى، والمبيت بمزدلفة، والوقوف بعرفات، والطواف بالبيت، وسائر أعمال الحج على هذا المنوال، وقد فهم الصحابة هذا؛ لأنهم ذوو العقول، ولأنهم أعمق الناس عقولًا وأكملهم إيمانًا وأتمهم إدراكًا، فأدركوا ذلك وصاروا يقولون في تلبيتهم: (لبيك حقًا حقًا تعبدًا ورقًا) تعبدًا كوننا نجيب ما أمرتنا به تعبدًا لك بدون أن نطلع على حكمة ذلك.
وكذلك في مخلوقات الله جل وعلا، يقول قائل مثلًا: نجد بعض الحشرات ما الفائدة من وجودها؟ ما فيها إلا مضرة، مثل الذباب، ومثل البعوض، ومثل الحيات والعقارب والخنافس وما أشبه ذلك! هناك ناس يقولون هذا.
نقول: إن عقلك قاصر، ولا يجوز أن تعترض على الله جل وعلا في خلقه وإيجاده، ولا في أمره وشرعه، ولا في قضائه وقدره، يجب أن تكون عبدًا منقادًا لأوامر الله وتسلم وتذعن لذلك، وإلا فلن تعجز الله، والأمر يسير لدى الله جل وعلا إذا عصى الإنسان ربه.
فشرعه الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم كثير منه على هذا النحو.
ولهذا لا يجوز للإنسان أن يبحث عن الأسرار ويقول: ما السر في كذا؟ ما الحكمة في كذا؟ لأن هذا غالبًا يدعو إلى الاعتراض وإلى التعنت والتكبر على الله جل وعلا، وهذا هو الطريق إلى الهلاك، وكذلك حينما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالدين وعد أنه سيظهره على الدين كله وأنه سينصره، فيجب أن يؤمن بوعده، وإذا حصلت انتكاسة على المسلمين وانتصار للكافرين فهذا معناه أنه تمحيص لذنوب المؤمنين بسبب المعاصي التي يقعون فيها.
فالله قد ذكر الحكمة جل وعلا في ذلك، ثم قال جل وعلا: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} [آل عمران:165] ، قال جل وعلا: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران:165] ، يعني: بسبب ما فعلتموه أنتم.
وجاء ذلك أيضًا في آيات آخر، مثل قوله جل وعلا: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:30] ، يعني: لو يؤاخذكم بكل ما فعلتموه لما بقي على وجه الأرض أحد، ولكنه يعفو عن كثير جل وعلا، ثم الأمر مثلما قال صلى الله عليه وسلم: (إن أمر المؤمن كله خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) يعني: يؤجر على ذلك عندما يصبر ويحتسب، وتحصل بذلك على حسنات.
(وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له) بخلاف الكافر والمنافق، فإنه لا يشكر ولا يصبر، وإنما شأنه الاعتراض، ثم الظن بالله جل وعلا أنه ما يفعل شيئًا إلا لحكمة، ولا يأمر العباد إلا بما فيه مصلحة لهم قد تكون ظاهرة لهم وقد لا تكون ظاهرة، ولا يقدر شيئًا إلا لحكمة عظيمة قد يعرف شيء منها وقد لا يعرف.