يسبحون أبدًا ضد التيار. يسخطهم الواقع القائم ويأنسون فيه بالضعفاء والمقهورين. وربما انسحب ذلك على موقفهم من التاريخ ودوله وأحداثه. فقد كان الأستاذ النفاخ يقف في صف المغلوبين فيه. ولعلهم لو انتصروا فارقهم، ووجد سببًا للوقوف في صف معارضيهم. كانت البطولة تستشيره، فإذا اغتليت أو أكرهت بدت له أشدّ استثاره. من هنا يبلغ عطفه على الفقراء والبائسين وأصحاب الحاجات حدًا يغفل فيه، كما يفعل المثاليون غاليًا، عن حقائق الواقع. فإذا انكشفت لهم ازدادوا إحساسًا بالخيبة وبغرابة الواقع من حولهم. خرجت في صحبته يومًا من باب الجامعة الكبير في البرامكة. واجتزنا الشارع إلى الرصيف المقابل. فلم ألحظ صبيًا مستلقيًا عليه، يسأل الناس، وقد مدّ رجلًا تكسوها بقع الدم. كانت مظاهر الحياة المتجددة، في مقدم الربيع، تجتذب حواس الناس إليها. ولكن الأستاذ النفاخ لم يشغله عن الصبي، بلهجة منكسرة ذاب لها قلبه، الفقر والعجز عن دخول المشفى، فما أسرع ما ضرب بيده إلى جيبه فأعطاه. ثم لم يكتف، فاستوقف سيارة أوصى سائقها بحمل الصبي إلى المشفى، ودفع له أجره. كنت أتتبع المشهد وأنا مبهور. وفي نفسي إحساس عميق بالخديعة والكذب، يخالطه إعجاب بالغ بصفاء النية ونبل المشاركة وسطوع النزعة الإنسانية. في اليوم التالي خرجنا من باب الجامعة، فرأينا الصبي نفسه مستلقيًا على الرصيف، يسأل الناس، وقد مد أمامه رجله التي يكسوها الدم الكذب! كنت أنظر في وجه الأستاذ راتب وهو ينظر في الصبي. فرأيته يلوي وجهه عنه كأنه لا يريد أن يراه. كان يحاول أن يداري إحساسه بعجزه عن تقبل هذا العالم المخادع من حوله. لعله بمثل هذا الإحساس كان يواجه دائمًا خيبته في الحياة والناس، وهو يحاول عبثًا أن يشد المثال على خشبة الواقع. ولهذا كان يكثر كلامه في تقويم الناس، ويغلو فيه أحيانًا غلوّ من يريد أن يستنفد قوة الإحساس بالفجيعة. ولهذا أيضًا كان يغلو في الرضا أحيانًا غلوّ من يرجو أن يأمنها في نفسه، فما يزيد في آخر الأمر عن أن يهيئ لنفسه خيبة جديدة. ويظن الذين لا يعرفونه، كما كنا نظن قبل أن نعرفه، ونحن طلاب في الجامعة، أنه خشن الملمس، جافي الطباع، ليس في حياته موضع للإحساس بجمال التواصل الإنساني، على إطلاق معانيه. فإذا اقتربوا منه وعرفوه وجدوه لا يؤرقه شيء كما يؤرقه الحب، بمعناه العميق الشامل، ووجدوه نديًا رقراقًا يحسن فهم هذه العاطفة النبيلة، ويستجيب لها أعمق الاستجابة. وقد قضيت إلى جانبه زمنًا لا أكتشف، في هذا الجانب من حياته، معنى محددًا، وإن كنت أستذكر اليوم مظاهر كثيرة من رقة الشعور وحرارة الروح، إلى أن كان يوم جاوزنا فيه منتصف الليل ونحن نمشي في أطراف دمشق، قريبًا من كيوان، حتى كللنا. كنا في الصيف، وكانت الليلة مقمرة. فاسترحنا إلى جوار شجرة ضخمة من شجر الصفصاف، يجري قريبًا منها نهر يزيد. فما أدري كيف تصرف بنا الحديث، فجاشت به نفسه جيشانًا شديدًا، هيأ له، فيما يبدو، ما كان يفيض في الجو، من حولنا، من رقة الطبيعة وحدة إغرائها بالبوح والاستسلام. رأيته فجأة يضطرب كورق الصفصاف، ويبدأ فيحدثني عنها، وكنت أعرفها، ويصفها كما كان يراها. كان قريبًا من أهلها. ولكن ذنبها أنها لم تكن تفكر فيه على النحو الذي كان يظن. فقد انغلق عليها القلب إذن، وظلت ذكراها تنزف فيه، كما قال يومها. وتعيّن عليه أن يواجه، في هذا الوقت المبكر، كبرى خيباته وأثبتها في النفس. ثم إنه لما تهيأ له، من بعد، أن يكتب رسالة الماجستير، اختار ابن الدمينة، الشاعر الوجداني الرقيق، موضوعًا لها! ثم طال الزمان بعدها على الناسك المتبتل الذي يحتضن القرآن، فتعرض لمحنة قاسية، لعلها أدلّ محنه على اندحار مثاله في مواجهة الواقع، وعلى عجزه، وهو في ارتفاعه عنه، عن فهم حقائق النفوس المتردية. فهذا الذي كان يجعل منه هدفًا سهلًا للطامعين فيه. كانت أبواب بيته مفتوحة لكل طارق، حتى كان ربما سلّم بعضهم مفاتيحها ليدخلوه إذا غاب عنه. رغبة مستبدة لا تنكسر في تحدي الواقع والانتصار عليه! لقد كان، من الجانب الحي، أقرب من عرفت من الناس، إلى المثال الذي صوروه لأنفسهم. فما خسره في الناس إذن ربحه في نفسه، باستثناء ما كانت حرارة التكوين تغري به أحيانًا، من حدة الخصومة أو الإمعان في النقد. ولهذا نراه
(يُتْبَعُ)