قال أبو عبدالرحمن: وكنت كررت القول عن خفضي لصوت الراديو في محطة إذاعة القرآن الكريم، ولذلك أسباب منها أنني أسمع أحيانًا وعظًا منمقًا مع محاولة التحلية ببعض الملح، ولكن ذلك لا يدخل قلبي لأسباب أعرفها، فتنقبض نفسي .. ومنها أنني أسمع أحيانًا تمعلمًا يؤذيني عن علم غير محقق، فتسمع أحدهم يقول: (قال فلان كذا، وقال فلان كذا) ، ثم يعطف بقوله: (والصواب كذا) ، فتشرئب للبرهان، فإذا هو يقول: (قال فلان كذا) ، وكل براهينه: (قال فلان كذا) والنقل من كتاب واحد، فأولى به أن يكون كلامه بعنوان: (قراءة في كتاب فلان) ، فإن كان من أهل العلم فليعط الاستيعاب وفهم المعنى والبراهين حقها من البسط والتبسيط .. وآخر يتعرض للمجاز، فينفيه، ويستدل بأدلة من شبه غيره، فإذا مر بمثال لا مخرج عن حمله على المجاز قال: (والحق أن هذا من أساليب العرب) ، فمن قال للمسكين إن المجاز لم يكن أهم وأكثر أساليب العرب؟ .. وإذا كان البدعيون افتروا دعوى المجاز في موضع فالربانيون يلجؤون إلى ما صح من المجاز في مواضع كما في الدعاء الصحيح: (اللهم أنت عضدي وأنت نصيري) ، ومثل: (من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا) ، فمحال في حق متق لربه أن يحمل مثل هذه النصوص على غير الصحيح من مجاز لغة العرب، والتمحل في جعل المعاني المجازية حقيقة جمع بين النقيضين، ولا يحصل منه تصور، والتكلف فيه كالتكلف في حمل نص الشرع على غير معناه على ما يفعله الباطنيون وأدعياء الكشف وأهل الأهواء .. وهكذا يؤذيني من يتحاكى بعلم غيره ولا يغوص في كتب العلماء فيحقق ويدقق، ثم يبث علمه هو ببراهينه ونتيجة استقرائه .. ومما يؤذيني وعاظ يتفننون في إثارة المشاعر بالتهويل، وتغلبهم العامية أحيانًا، ويسيرون على منهج القصاص وسرد ما لم يوثق لأجل التأثير على القلوب، ويذكرون نصوصًا بمداخلات وإضافات غير مأثورة، ومثلهم كمن يتلو شيئًا من الشعر العامي المطبوع على أنه رواية، ثم يسف ويمل بمقدمات يفسر بها بعض أبيات القصيدة و لا وجود لما ادعاه، وربما غير لهجتهن وربما أسرف في الإغراب واصطناع الملح!.
قال أبو عبدالرحمن: الذي أدين لله به أن الاحتجاج بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ليس من دين الله في شيء وإن قال بذلك عدد من العلماء الأفذاذ الربانيين العباد إلا أن يكون الحديث صحيح المعنى، فتذكر ضعف إسناده وتبرهن على معناه من النصوص الصحيحة، وحكم الحديث الضعيف التوقف حتى يقوم البرهان من نص آخر صحيح أو نصوص صحيحة تشهد له، فيكون حسنًا رجح ثبوته بالتعضيد، أو يكون صحيحًا لغيره .. وأما ما يسرده الزهاد المتلمذون على بعض مشايخ الطرق من نص عن رجل في القرن الثاني مثلًا: عن عيسى بن مريم أو داوود أو موسى عليهم وعلى نبينا محمد وعلى جميع أنبياء الله ورسله أفضل الصلاة والسلام، وكذلك ما يوردونه من حكايات ومنامات واستنباطات ذوقية غير علمية: فكل ذلك ليس من دين الله قطعًا، وقد وجدت في كثير منه ما يخالف الشرع، ووجدته رهبانية ليست في الشرع، وحكم كل ذلك الرد، لأن الله سبحانه لم يتعبدنا بالتكثر بالباطل، ولأن في صحيح الشرع غني عن غيره من الادعاء، ولأن المؤمن مفطور على تصحيح العلم رواية ودراية حتى يذعن عقله المتربي على شرع الله، فينفعل بعد ذلك قلبه، ولأن صحة التصور تسبق دائمًا السلوك وتزكيه .. وكنت أصغي في إذاعة القرآن على كره إلى محاضرة وعظية عن بر الوالدين مشحونة بالتكلف في الأداء، والزيادة في المداخلة، مع ذكر قصص معاصرة يذكر أنها واقعية، وفي النفس منها شيء حتى يقوم برهان وقوعها، ولكم تأذيت في حياتي من التباكي، وإنما يأتي البكاء خشية لله، وتأثرًا بالمعاني من النصوص الشرعية على الرغم (7) من المسلم، وأكثر ما يكون ذلك في الخلوة، وربما بدأ من الفرد بعض التأثر مع الجماعة، فيكتم ذلك حسب القدرة .. وبكاء الخلوة الذي يغلب المسلم ليس صراخًا ولا عويلًا، كما كنت أسمعه منذ عشر سنوات في صلوات التراويح، وأخشى أن يكون رياء، والصديق أبو بكر رضي الله عنه خير الأمة بعد عبدالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم (وأنوف مبغضي الصحابة راغمة واحلة) ، وهو (الأسيف) لم يكن بكاؤه غير أزيز وحشرجة في الصدر، فهو يغالب نفسه رضي الله عنه .. ومما سمعته في خطبة الواعظ قصة أمية ابن الأسكر وابنه كلاب رحمهما الله تعالى، فاضطررت إلى استقراء
(يُتْبَعُ)