مفرطًا، وأن يرفعني إلى درجات المحسنين، وكلما أردت الإخلاد إلى الراحة لم تطاوعني نفسي؛ فأعيد الدعاء السابق، ويُفتح لي بغيره، ودعوة المسافر مجابة، ولله في أيام دهرنا نفحات؛ فهذه نفحات من ربي أشعر أنها لن تضيع وأن الله سينفعني بها بقية عمري .. ومنها أنني أجد مصادفة رجلًا من العوام ذوي الفطرة والثفنات الذين لا يعرفون بنوكًا تلوث المأكل والمشرب والملبس والمركب والمسكن، ولا يعرفون فلسفات تلوث العقول؛ فينشرح صدري لرؤيتهم ومحادثتهم، وأدعوهم إلى منزلي بإلحاح حبًا لهم في الله، وحبًا لكلماتهم الفطرية المباركة، ودعواتهم وابتهالاتهم الكريمة .. وبعكس أولئك خواجات أحادثهم في الرياض بترجمة الأستاذ سراج الدين إبراهيم رحمه الله، وخواجات في الخارج أحادثهم بواسطة المترجم ممازحة ومجاملة خاسئة، ووجوههم تقطر بالعافية .. ولكن قلبي يلعنهم لكفرهم .. وهناك أدباء عالميون وعرب أُعجب بعطائهم الأدبي فنيًا لا دينيًا ولا خلقيًا؛ فإذا رأيت صور بعضهم استعذت بالله وبصقت عليها .. والحب في الله ذو أثر عجيب في النفس.
وأدركني شيء من مصادر الدادية والسريالية (مع بغضي لعفن هاتين المدرستين) ، وقبل ذكر شيء عندي من عناصر السريالية فلا بد من الإحماض بشيء عن الأدب السريالي؛ فهي فلسفة إبداع أدبي وليست إبداعًا أدبيًا؛ لأن النموذج الأدبي عقيم فيما تُرجم من شعر الخواجات، وهو معدوم في الأدب العربي الحديث، ولقد رأيت للدكتور محمد عبدالمنعم خفاجي رحمه الله تعالى تسطيحًا عن السريالية زعم فيه أن السريالية موجودة في أدبنا الحديث، وعدَّ أشخاصًا منهم الشاعر محمود حسن إسماعيل (5) ؛ وإنهم لبريئون من السريالية إبداعًا وتفلسفًا، وإنما رام بعض الحداثيين المنتسبين إلى أمة العرب وهم من أهل الثقوب .. راموا الهذر بالسريالية تفلسفًا، وأغربوا بهذر في النموذج الإبداعي لا يختص بالسريالية لو ارتبطت بمعناها اللغوي؛ وإنما هي من مدارس أدبية متناثرة كالوجودية والمثالية واللامعقول والانغلاق الذاتي عند بعض الرومانسيين؛ فإن صنعوا من رومانسيتهم وأحلامهم وأمانيهم ومخاوفهم عوالم خيالية يتصورها الذهن وإن لم يحتملها الواقع فهم سرياليون حقيقة، ولكنهم أندر من الكبريت الأحمر؛ وإنما عند الحُواة أفكار فلسفة سريالية؛ ولكل جديد لذة، ودعوى السريالية جديدة في عصرنا؛ فحاول خنَّاس إنسي هو أدونيس أن يُزيِّن للأدباء الشطح الصوفي فناء ومشاهدة وحلولًا واتحادًا؛ فاستشهد بها، وحملها على نثار (6) من الفلسفة السريالية في كتابه (الصوفية والسريالية) ؛ فلما تأملته وجدته عاجزًا عن حمل ما اقتطفه من نماذج صوفية على حقيقة الأفكار السريالية؛ وإنما سوَّد الورق بالهذر والادعاء والمغالطات .. وإبداع أدب سريالي شعرًا ونثرًا سهلٌ إذا جُرِّدت مصادر السريالية عما استُرحلتْ له من تخريب وشُغل للمواهب بما تتخم به وتقطع به العمر من زخم فلسفي لا يتحصل إلا بعد شدة معاناة مثل السريالية التي تزعم أنها تُبدع أدبًا ليس سوى ما تتذكر من عناصر أحلام النوم، وما يشغلنا من أحلام اليقظة، وسأذكر إن شاء الله مصدريهما، وهو في هذر (فرويد) عطاء من (اللاشعور) ، وظلت هذه الكلمة بمدلولها المخترع مادة لغوية محفوظة في معاجم (والمعجمات تنطُّع) علم النفس .. وليس في الواقع شيء اسمه (اللاشعور) يكون مصدرًا لأي عطاء، وإنما (غير الشعور) الذي سُمِّي اللاشعور يصدق على ثلاثة أمور:
أولها: ما جاء تلقائيًا ومصدره الشعور حقيقة إلا أن الإنسان لا يشعر بكيفية اللحظة التي صدر عنها عطاؤه .. وليس المعنى أن العطاء لم يصدر عن شعور.
وثانيها: العجز عن تشخيص عناصر المشعور به بعبارات تحدده كلذة الجِماع مثلًا .. هي شعور لذيذ في النفس تُعبِّر عنه باللذة والشهوة، ولكن لا تستطيع تشخيصه بالوصف.
(يُتْبَعُ)