وبعد أن يعطي دلالات السياق والآيات الأخرى في سور أخرى (تفسير القرآن بالقرآن) يقول: (( فقد تبين بهذا البيان أن للآية اتصالًا بما قبلها من الآيات، وأن الآية مسوقة لاظهار أن دين الله في غنىً عن أولئك الذين يخاف عليهم الوقوع في ورطة المخالفة وتولي اليهود والنصارى لدبيب النفاق في جماعتهم، واشتمالها على عدة مرضى القلوب، لا يبالون باشتراء الدنيا بالدين، وايثار ما عند أعداء الدين من العزة الكاذبة والمكانة الحيوية الفانية على حقيقة العزة التي هي لله ولرسوله وللمؤمنين … ) ).
ولهذا يرى صاحب تفسير الميزان أن الآية تنبئ عن (( ملحمة غيبية ) )قائمة على سنة الاستبدال، وأن المراد من (الارتداد) عن الدين ـ في الآية ـ (( هو موالاة اليهود والنصارى ) ).
المجتمع الاسلامي: مظاهر الارتداد
ويعقد العلامة الطباطبائي بحثين بعد تفسيره لمعنى الارتداد في الآية .. أحدهما روائي، والآخر مزدوج (قرآني ـ روائي) يتحدث فيهما عن الروايات التي فسرت معنى الارتداد، وشخصت البديل الذي سوف يأتي به الله ليقوم بدوره في ساحة الصراع بعد أن تخاذل المتصدون وراحوا يلهثون وراء مخططات الأعداء. وهذه الروايات تؤكد ـ هي الأخرى ـ ما أفاده السياق من (ارتداء الولاء) ، حيث يرتد المجتمع الاسلامي ردةً (تنزيلية) لا (اصطلاحية) بيّنها العديد من الآيات المباركة، كقوله تعالى: (ومَن يتولهم منكم فإنه منهم أن الله لا يهدي القوم الظالمين) ، وقوله: (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرًا منهم فاسقون) .
وقد ذكر العلامة حديثين طويلين حول أخبار ملاحم آخر لازمان اعتبرها (( كالتفصيل لما تدل عليه الآية الكريمة ) ): (مَن يرتد منكم عن دينه …) .
ويعطي هذان الحديثان تفاصيل دقيقة ومفصلة لما سيؤول إليه المجتمع الاسلامي من مظاهر الارتداد عن الدين بعد أن ينكفأ الدين (( كما ينكفئ الاناء ) )، حيث يلي المسلمين (( أمراء جورة، ووزراء فسقة، وعرفاء ظلمة، وأمناء خونة ) )، و (( أقوام إن تكلموا قتلوهم وإن سكتوا استباحوهم ) ).
سيد قطب: السياق وارتداد الولاء
ينبّه المفسر سيد قطب إلى سياق آية الارتداد في سورة المائدة، فيرى أن التهديد في الآية (( ينصرف ـ ابتداءً ـ إلى الربط بين موالاة اليهود والنصارى وبين الارتداد عن الاسلام. وبخاصة بعدما سبق من اعتبار مَن يتولاهم واحدًا منهم، منسلخًا من الجماعة المسلمة منضمًا إليهم: 0ومَن يتولهم منكم فإنه منهم) .. وعلى هذا الاعتبار يكون هذا النداء الثاني في السياق توكيدًا وتقريرًا للنداء الأول .. يدل على هذا ـ كذلك ـ النداء الثالث الذي يلي النداء والسياق، وهو منصب على النهي عن موالاة أهل الكتاب والكفار … )).
وهكذا تتعانق النداءات الثلاثة في سياق واحد لتشكل موضوعًا واحدًا متكاملًا يبين مخاطر ارتداد الولاء:
النداء الأول: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض …) .
النداء الثاني: (يا أيها الذين آمنوا مَن يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه …) .
النداء الثالث: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء …) .
ويشجب سيد قطب (( عملاء أهل الكتاب في الوطن الاسلامي ممن يقيمهم الاستعمار هنا وهناك علانية أو خفية ) )، الذين يسعون جاهدين في (( تمييع ) )و (( طمس ) )هوية الصراع وحقيقته التي يقررها القرآن (في مواضع كثيرة من كلامه الصادق المبين ) ): (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) ، (قل: يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا …) ، ليصوروا أن (( قضية الدين والحرب الدينية قد انتهت! وأنها كانت مجرد فترة تأريخية مظلمة عاشتها الأمم جميعًا! ثم تنور العالم و (( التقدم ) )فلم يعد من الجائز ولا اللائق ولا المستساغ أن يقوم الصراع على أساس العقيدة .. وإنما الصراع اليوم على المادة! على الموارد والأسواق والاستغلالات فحسب.
* المصدر: مجلة التوحيد /العدد 106
ـ [فهد الناصر] ــــــــ [25 Feb 2005, 01:37 م] ـ
شكرًا للأخ tafza على هذا النقل الممتع. وفي هذه المقالة فوائد كثيرة. وينبغي التنبيه - مع قلة بضاعتي - على أمور لاحظتها في المقالة:
-يبدو لي أن كاتب المقالة من الشيعة - مجرد ظن فقط - حيث لاحظت قوله (وإلا فإنه يكفي لثلة مجاهدة كحزب الله في لبنان أن تهزم اسرائيل هزيمة منكرة ما فعلت معشارها الجيوش العربية!!) والجميع يعرفون حقيقة هذا الحزب، والقائمين عليه فلا داعي للتفصيل.
وقوله (وقد أشار إلى هذا الجمع بين الآيتين العلامة الطباطبائي في تفسيره(الميزان ) ) وأكثر من النقل عن الطباطبائي في مقالته، وهو من مفسري الشيعة المعتبرين، وفيما نقله خير ولكن مجرد الاكتفاء بتفسيره مع تفسير في ظلال القرآن جعنلي أقول هذا وأرجو أن أكون واهمًا.
ولعل المشرفين الفضلاء يؤكدون لي هذا أو ينفونه إن كنت أخطأت.