وقد يكون قولهم (نخشى أن تصيبنا دائرة) عذرًا حقيقيًا لما يشعر به هؤلاء المرضى من رعب أمام قوة الأعداء، وما يتمتعون به من مظاهر العزة والغلبة. ولعل الذي يساعد على هذا المعنى ما سيأتي في آية الاستبدال: (ولا يخافون لومة لائم) .
4 ـ أن هذه المسارعة لا يمكن لها أن تحقق أهدافها، إذ سرعان ما تحبط تلك المشاريع المتخاذلة، وتتكشف تلك النوايا السيئة، وسيعضُ أولئك اللاهثون المسارعون في موالاة أعداء الأمة على أصابع الندم، ولات ساعة مندم: (فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين) .
وهذا المقطع ـ على ما يبدو ـ بمثابة التفصيل لما ذكره المقطع الأخير في الآية السابقة: (والله لا يهدي القوم الظالمين) . لذا فالتعبير بـ (عسى) الدالة على الترجي لا يؤثر على حتمية وقوع الندم لهؤلاء المتخاذلين اللاهثين المسارعين.
5 ـ إن (الفتح) أو (أمر من عنده) تعالى، لا محالة سيقع، وإن كان التعبير مجملًا .. حيث ذهب بعض المفسرين المعاصرين إلى أن المقصود من (الفتح) هو الغلبة عن طريق الحرب، والانتصار في ساحة المعركة، الذي يحقق انعطافة كبرى في مسيرة الصراع مع الأعداء لصالح الاسلام .. وأن المقصود من (أمر من عنده) هو استسلام الأعداء واستكانتهم لما سيؤول إليه المسلمون من قدرة فائقة، وعزة غالبة، من دون أن يخوضوا معهم حربًا حاسمة.
وبذلك يكون الفرق بين (الفتح) و (الأمر) أن الأول يتحقق من خلال الانتصار العسكري الكبير، بينما يتحقق الثاني بواسطة انتصارات من نمط آخر، اجتماعية واقتصادية وسياسية وأمنية.
ويعترف العلامة الطباطبائي أن مصداق (الفتح) غير بيّن، ومعنى (أمر من عنده) مجهول لنا، وإن كان المعنى الإجمالي واضحًا. لذا فقد تعددت الأقوال والاحتمالات في تفسير كل من (الفتح) و (الأمر) ، حيث تجعل هذه التعابير المجملة المتدبر للقرآن في أقصى فاعليته العقلية في سبيل استكشاف المعاني الممكنة والمصاديق المحتملة، وهو مطمئن بهزيمة اليهود والنصارى معًا، وبفضيحة وخذلان المسارعين اللاهثين في موالاتهم، إلى درجة تجعل المؤمنين المجاهدين المتصدين لمشاريع الاستسلام، يقولون بخصوص أولئك المسارعين: (أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم لمعكم) ؟!
إنه لم يعد للسائرين في ركاب الأعداء من غطاء يسترون به سوءاتهم، ومعاذير يبررون بها خياناتهم، فقد بدا كل شيء واضحًا، جليًا، حيث آلت مشاريعهم الاستسلامية الذليلة إلى الفشل الذريع، والخسران الفضيع: (حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين) !
لقد تكشفت النوايا، وحبطت الأعمال، وخسر اللاهثون كل شيء، فلم يعد لهم من مكان سوى مزبلة التاريخ. وهذا هو مصير الذين يخونون دينهم وأمتهم ووطنهم.
الموالون لليهود: ارتداء الولاء
(يا أيها الذين آمنوا مَن يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم …) .
إنه النداء الثاني ـ في السياق ت بعد النداء الأول الذي حذرنا من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء.
وقد يتبادر لأول وهلة أن الارتداد عن الدين في الآية المباركة هو الارتداد (المصطلح) ، الفطري أو الملي ـ كما تبادر إلى الكثير من المفسرين من القدماء والمعاصرين ـ الذين يتحول فيه المسلم إلى دين آخر ليصبح يهوديًا أو نصرانيًا ..
بيد أن تدبر السياق ـ في الآية فنسها والارتباط بين مقاطعها، وفي الآية بالنسبة إلى ما قبلها وما بعدها ـ يوضح لنا وبجلاء أن المقصود من الارتداد عن الدين ليس هو ما تعورف في الفقه وبين الناس، بل هو ارتداد من نوع آخر أعمق وأدق، يمكن أن نطلق عليه (ارتداد الولاء) !
العلامة الطباطبائي: الردة تنزيلية لا اصطلاحية
ومن المفسرين المعاصرين الذين نبهوا إلى (ارتداء الولاء) هو العلامة الطباطبائي، حيث أشار إلى أنه (( ربما يسبق إلى الذهن أن المراد بالارتداد في الآية(54/ المائدة) هو ما اصطلح عليه أهل الدين … لكن التدبر في الآية وما تقدم عليها من الآيات (تدبر السياق) يدفع هذا الاحتمال )).
(يُتْبَعُ)