والقسم الثاني: ما يُسْتَنْبَطُ بِضَمِّ الآية إلى غيرها، سواء لآية أخرى، أو لحديث نبوي، ومنه استنباط علي بن أبي طالب (12) ، وابن عباس (13) ، أن أقل الحمل ستة أشهر؛ من قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُوْنَ شَهْرًَا} [الأحقاف / 15] مع قوله تعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} ،ومنه استنباط أن التطهر المراد بقوله تعالى {فَإِذَا تَطّهَرْنَ} [البقرة /222] ؛ وقوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًَا فَاطَّهَرُوْا} [المائدة: 6] هو الاغتسال المذكور في قوله تعالى: {وَلاَ جُنُبًَا إِلاَّ عَابِرِيْ سَبِيْلٍ حَتَّى تَغتَسِلُوْا} [النساء: 43] ؛ وبناءً على هذا؛ فإن آيات الأحكام أكثر من أن تُحْصَر بعدد معين، وهذا ضَرْبٌ مِنْ إعجاز القُرْآن الكريم، والله اعلم.
ثالثًا: نشأة تَفْسِيْر آيات الأحكام (14) :
نشأ التَفْسِيْرُ الفقهي في مرحلة متقدمة جدًا؛ إذ إنه جزء من التَفْسِيْرِ النبوي في الجملة، فقد كان من جملة الآيات التي تنزل على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- آيات الأحكام الفرعية، والمصطلح على تسميتها"الفقهية"، فكان -صلى الله عليه وآله وسلم- يفَسَّرَها لأصحابه بقوله، وعمله؛ فَيُبَيِّنُ مُجّمَلَها، ويُقيِّد مُطْلَقها، ويخصص عامّها؛ ومن الأمثلة على ذلك؛ أنه كان يصلي بصحابته، ويقول لهم: (( صلوا كما رأيتموني أصلي ) )، ويحج بهم، ويقول: (( خذوا عني مناسككم ) )وهذا تَفْسِيْر لآيات الصلاة، والحج في القُرْآن الكريم، وكذا الزكاة، أمر الله بها أمرًا مُجْمَلًا {وَآتُوْا الْزَكَاةَ} [البقرة/110] ، {وآتوا حَقهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام/141] ، {أَنْفِقُوْا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ} [البقرة/267] فبيَّن لهم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ما تجب فيه الزكاة، ومقاديرها، وأوقاتها، وهكذا في جميع التشريعات.
وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- يهتمون بسؤاله -صلى الله عليه وآله وسلم- عن هذا النوع من الآيات؛ قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: (( سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الكلالة؟
فقال: تكفيك آية الصيف )) (16) .
ثم إنَّ الصحابة بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بدأوا يجتهدوا في دلالات أخرى من آيات الأحكام، لم يسألوا عنها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، وليس بين أيديهم فيها عِلْمًا؛ فهذا أبو بكر -رضي الله عنه- يقول: (( إني قد رأيت في الكلالة رأيًا؛ فإن كان صوابًا؛ فمن الله وحده لا شريك له، وإن يك خطأ؛ فمنّي، ومن الشيطان، والله بريء منه، إن الكلالة ما خلا الولد، والوالد ) ) (16) .
فهذا أبو بكر يَعْمَد إلى قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُوْرَثُ كَلاَلَةً} [النساء/12] فيجتهد في تَفْسِيْرها، وتأويلها، ولعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- اجتهاد في فهم قوله تعالى: {فَمَنْ تمتعَ بالعُمْرَةِ إِلَى الْحَجَّ} [البقرة/196] فقد كان ينهى عن المتعة! وهي في كتاب الله، اجتهادًا منه -رضي الله عنه-، وخالفه فيه كبار الصحابة علي، وابن مسعود، وأبى موسى، وعبد الله ابن عُمر -رضي الله عنهم جميعا-.
وبرز من الصحابة في هذا الباب عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله ابن عباس، وأثّر كلٌ منهم في تلاميذه، فظهر اهتمام المدرسة الكوفية - تلاميذ ابن مسعود - والمدرسة المدنية - تلاميذ ابن عمر - والمدرسة المكية - تلاميذ ابن عباس - في تَفْسِيْر القُرْآن الكريم، وخاصة آيات الأحكام (17) .
واستمر اهتمام الصحابة وتلاميذهم من التابعين بتَفْسِيْر آيات الأحكام لا يتعدى المُدارسة، والإفتاء حتى جاء الإمام مقاتل بن سليمان الخرساني (ت / 150هـ) ؛ فألف أول كتاب خاص في تَفْسِيْر آيات أحكام القُرْآن، وكان تَفْسِيْرًا بالمأثور، في الدرجة الأولى، مع إعمال مقاتل للرأي أحيانًا أخرى (18) .
ومن الأئمة المجتهدين الذين ألّفوا في هذا الباب: الإمام يحيى بن زكريا بن سليمان القرشي الكوفي، إمام مجتهد (ت / 203هـ) (19) .
ثم بدأ بعض أئمة المذاهب المعروفة، وتلاميذهم في التأليف في هذا الباب، وممن نُقل عنه التأليف في هذا الباب:
الإمام أبو عبد الله، محمد بن إدريس الشافعي (ت / 204) هـ؛ فقد ألّف كتابًا في أحكام القُرْآن (20) .
(يُتْبَعُ)