لم يخف لبيد كما نعلم، وأكدته المرويات العربية المبكرة .. قصته المشهورة حينما سأله سائل أن ينشد الشعر في الإسلام إعجابًا به وبشعره. فما كان من لبيد إلا أن أتى بسورة البقرة لهذا السائل مصرحًا أن في التنزيل الحكيم غنى عن الشعر.
ونحن لا نأخذ بهذه الرواية على محمل الجد، وأغلب الظن أنها من صنع الشريحة التقية في الحضارة العربية الإسلامية المبكرة التي كانت ما تزال تذكر نزاع الوحي والشعر، وما كان من موقف أمية بن أبي الصلت من النبي ( r) وهجائه المسلمين ورثائه أبطال قريش الذين صرعوا في غزوة بدر كما ورد في السيرة لابن إسحق رواية ابن هشام.
سنعترف إذًا بكل هذا التاريخ حول نص معلقة لبيد. ولكننا سنعتمد على سلطة النص وحده في دراسة المعلقة والنتائج المترتبة عليها، دون أن يمعنا هذا من الاعتقاد أن لبيدًا لم يقل بيتيه المشهورين في الإسلام فحسب بل أضاف إلى معلقته الأبيات التي تنطوي على معتقده الجديد.
[المعلقة والقراءة الجديدة]
تحتل معلقة لبيد بن ربيعة العامري مكانة خاصة بين المعلقات. فهي من القصائد النموذجية للعصر الجاهلي في موضوعاتها ولغتها وأسلوبها ( [2] ) .
وقد نظمها لبيد استجابة لحوافز نفسية، فصوّر فيها تجاربه في الحياة البدوية ومفاخره في علو الهمة وإباء النفس.
ورغم أن لبيدًا يفتتحها بالوقوف على الأطلال لكنه يصف التغيرات التي أحدثتها عناصر الطبيعة فيها من رياح وأمطار؛ إلا أن ذكر نوّار حبيبة الشاعر يحتل مركزًا أساسيًا فيها، بغزلٍ فيه تماسك الرجولة لا وهن العربي وضعف النفس.
وأهم قسم من أقسام القصيدة هو وصف لبيد للناقة الذي يتفنن فيه الشاعر في تداعيات تجعل من هذا الوصف، لوحة رائعة لحياة الإنسان والحيوان في البيئة الجاهلية. بلهجة عفوية إلى حد السذاجة.
يتجنب طه حسين مناقشة معلقة لبيد في كتابه الشعر الجاهلي ويلمح إليه حين يرفض أن يتخذ، كغيره من النقّاد، خشونة اللغة في شعر الجاهليين دليلًا على صحته.
ويتلخّص موقف طه حسين كما يتمركز في الأدلة اللغوية فيتخذ منها سلاحًا أساسيًا ليصوغَ نظريته في النحل.
فهو يشكل شكًا مطلقًا بالشعر المنسوب إلى عرب اليمن لاختلاف لغة الشمال عن لغة الجنوب، ويشك شكًا مقيدًا في شعر ربيعة لعدم توفر ما يدل على اختلاف اللهجات في هذا الشعر ويشك شكًا محدودًا في شعر مضر فيقبل بعضه ويرفض معظمه، ويكتفي بمدرسة أوس بن حَجَر وراويته زهير بن أبي سلمى. ويتجنب مناقشة معلقة لبيد وهو من هوازن قيس. لكونها نموذجًا بارزًا في بنيتها اللغوية وإيقاعاتها الجاهلية، فهي أشبه بالمعلقة/ المهباج التي تتردد أصداؤها في البادية. ويقوم الفن الشعري في أسلوب لبيد على ركيزتين اثنتين:
أولًا: التشبيه, وثانيًا: الاستعارة المكنية أو التشخيص. ويبدع في وصف الحيوان وتصوير حياته في استطرادات واستدارات تشبيهية هي من أبرز نماذج الفن الشعري في الجاهلية رغم أنها تذكرنا بمقاطع مشابهة للنابغة وزهير بن أبي سلمى لا في الاستدارة فحسب بل في تفاصيل صور الصيد ومطاردة الفريسة.
وظاهرة التكرار واضحة في معلقة لبيد. فهو يشبه في مطلعها الأطلال ببقايا الكتابة كما يشبهها بالوشم:
وجلا السيول عن الطلول كأنها
زُبُر تُجدّ متونَها أقلامُها
أو رَجْعُ واشمةٍ أُسِفَّ نؤورها
كِفَفًا تُعرَّض فوقهن وشامُها
وهو من تشبيهات طرفة بن العبد في مطلع معلقته:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليدِ
وهو حين يصف العير والأتان وتجاذبهما نحو الماء غبارًا ممتدًا طويلًا يشبهه مرة"بدخان مشعلة يشب ضرامها"وأخرى"بدخان نار ساطع أسنامها".
وظاهرة التكرار هذه تنم على نزعة لبيد في التفخيم والمبالغة. وكأنه لا يكتفي بالتشبيه الواحد فيثنيه ليعبر عن الصورة الطبيعية الواحدة كالأطلال وبقاياها أو الغبار الذي يثيره العير والأتان بأشكال فنية متعددة.
وتبلغ هذه النزعة أوجها في وصفه للناقة وسرعتها في استطرادات واستدارات وصفية وتشبيهية.
تصور الظاهرة الطبيعية الواحدة بصيغ فنية متعددة:
فيشبه الناقة أولًا بالسحابة الحمراء التي خف ماؤها.
ثم يشبهها بأتان الوحش التي يطاردها فحلها.
ويثلث بتشبيهها بالظبية التي يروّعها الصياد.
(يُتْبَعُ)