تدل لغويًا، على الغيث المنهمر، والمطر المتدافع، وتلمح مجازًا إلى الجود المتناهي في العطاء فهل يا ترى أن سيؤدي معناها بضم هذه الصفات جميعًا لغظ سواها، قد يؤدي معناها بعدة كلمات وإذا تم هذا فهو يعني الخروج عن الإيجاز المتوافر في وابل إلى الأطناب الذي لا مسوغ له في عدة ألفاظ أخر.
ثالثًا: والكلمة «لا يقدرون» .
بضمها إلى «ما كسبوا» في قوله تعالى:
(لا يقدرون على شيء مما كسبوا) (4) فيها من الدلالة على ما يلي:
تصوير لحالة الحرمان، وإيذان بحلول الفقر، فلا المال المجموع بنافع، ولا الآمال الموهومة بمتحققة، يأس وادقاع مادي من تلك الأموال، وفقر معنوي من تلك الآمال سواء في الجزاء أو في الثواب الذين توهموا حصولهما، وعي متواصل يصلب القدرة والكسب معًا، وهذا إنما يتأتى فهمه بحسب العرف العام في تبادره لفهم معاني الألفاظ عند إطلاقها.
(1) البقرة: 264.
(2) الطريحي، مجمع البحرين 1>264.
(3) (4) البقرة: 264.
رابعًا: والكلمة «مشكاة» في قوله تعالى:
(مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ... ) (1)
ذات دلالة اجتماعية خاصة، وإن تداولتها عدة لغات، واتفقت استعمالًا بين لسانين عند جيلين من البشر، لأن المشكاة عند العرب:
«الكوة التي لا منفذ لها. وقيل هي في لسان الحبشة: الكوة» .
قيل: كيف جاز أن تخاطب العرب بذلك مع قوله تبارك وتعالى: (عربي مبين) فالجواب: أنه جائز اتفاق الاسم الواحد في لغتين لا ينكر مثل ذلك فيما يقع من الوفاق بين أهل اللسانين.
ويجوز أن تكون المشكاة من جملة ما أعربته العرب من اللغات فغيرته ونطقت به فصار كلغتها (2) .
والحق أن العربية قد أعطت هذه الكلمة غرضًا لغويًا خاصًا بها (3) .
لذا وجدنا أن الكوة لا تعطي دقائق معنى المشكاة بما فيها من بهاء وجمال، وتبادر ذهني عام إلى المدلول منها في كل الوجوه المحتملة.
خامسًا: والكلمة «الضمآن» في قوله تعالى:
(يحسبه الظمان ماء ... ) (4) ذات دلالة لغوية خاصة بها، لا تمثلها كلمة الرائي مثلًا، ولو استعملها المثل لأصاب المعنى في جزء منه، ولكنها لا تقع موقع الظمان، فلو قال، يحسب الرائي ماء لم يقع موقع قوله «الظمآن» لأن الظمان أشد فاقة إليه، وأعظم حرصًا عليه (5) .
سادسًا: والكلمة «لجي» في قوله تعالى:
(أو كظلمات في بحر لجي ... ) (6) تشعرك مركزيًا يتدافع الأمواج،
(1) النور: 35.
(2) ابن ناقيا، الجمان في تشبيهات القرآن، 166.
(3) ظ: تفصيل القول معاني المشكاة، الطبري جامع البيان: 18>137 ـ 140، ط الحلبي.
(4) النور: 39.
(5) العسكري، الصناعتين: 246.
(6) النور: 40.
وتتابع الأمداد فأنت أمام فيض من السيول، وكثافة من الأزباد، ومهما أجال اللغوي فكره في معجمه فإنه لن يصل إلى كلمة تسد مسدها في الدلالة على صورة المعاني النابعة منها.
وفي هذا الضوء فإنني أميل إلى ما ذهب إليه زميلنا الدكتور العزاوي بقوله «إن في استقرار اللغة، وثبات صيغتها، قيمة عظمى، ونفعًا محمودًا، وذلك في أكثر من وجه. فبعض الصيغ الموروثة، والتراكيب المتداولة، تؤدي المراد منها بدقة لأنها اكتسبت دلالة خاصة تعارف عليها الناس وأصبح من العسير أن تقوم مقامها أو تؤدي مؤداها عبارات أخرى قد يبتدعها أهل اللغة، ويحلونها محل تلك العبارات (1) .
والدليل على صحة هذه الدعوى ما لمسناه من استعمال المثل القرآني للألفاظ المتقدمة: صفوان، وابل، مشكاة، الظمان، لجي.
سابعًا: وفي «لم يكد يراها» من قوله تعالى:
(إذا أخرج يده لم يكد يراها) (2) دلالة لغوية على إرادة عدم الرؤية الحقيقية ونفيها إطلاقًا، بما أثبته النقاد اللغويون، تخطئة لابن شبرمة وتصحيحًا لقول ذي الرمة، حين بلغ هذا البيت (3) :
إذا غير النأي المحبين لم يكد * رسيس الهوى من حب مية يبرح
فقال له ابن شبرمة، يا ذا الرمة أراه قد برح، ففكر ساعة ثم قال:
إذا غير الناي المحبين لم أجد * رسيس الهوى من حب مية برح
(يُتْبَعُ)