وهذه الدلالة تختلف رصدًا بحسب اختلاف الثقافة عند المتلقي، ويتفاوت فهمها نوعية عند كل مستفيد، فهي تجري مجرى الفهم الخاص عند كل مفسر للنص الأدبي، وقد توحي بهذا بما لا يدل عليه ظاهر اللفظ في بقية دلالاته، وإنما يكشف مدلولها إخضاعًا لطبيعة المؤول في التخصص. فهي ذات علاقة وثيقة بفهم من يستخرجها، ولكنها لا تخلو من وجه من وجوه الصحة في التفسير.
نلمس كل هذه اللقطات في المباحث التالية.
1 ـ الدلالة الصوتية:
لا شك أن استقلال أية كلمة بحروف معينة بكسبها ذائقة سمعية قد تختلف عن سواها من الكلمات التي تؤدي نفس المعنى بما يجعل كلمة
(1) أحمد أحمد بدوي، أسس النقد الأدبي عند العرب: 424.
(2) إبراهيم أنيس، دلالة الألفاظ: 107.
دون كلمة ـ وإن اتحدا معنى ـ مؤثرة في النفس، أما بتكثيف المعنى، وإما بإقبال العاطفة، وإما بزيادة التوقع.
فهي حينًا تصك السمع، وحينًا تهيئ النفس وحينًا آخر تضفي صيغة التاثر: فزعًا من شيء أو توجهًا لشيء، أو رغبة في شيء ... هذا المناخ الحافل تضفيه الدلالة الصوتية، ونماذجها في المقل القرآني تتجلى مختارة منه، وحروف صاحبت بعض الكلمات، فعاد لهما الوقع الخاص من النفس، بما لا تعطيه كلمة أخرى، مقاربة للمعنى، أو لا تفرغه صيغة مماثلة من التركيب.
وهذا باب متسع بحدود في دلالة ألفاظ المثل الصوتية، وأثرها في السمع وجلجلتها في الحس، هدوءًا وإثارة، وقد يستوعب جملة من ألفاظه في الجرس والنغمة والصدى والإيقاع، بيد أنني سأحاول عرض أظهرها دلالة من خلال بعض الأمثلة:
أولًا: الكلمة «متشاكسون» في قوله تعالى:
(ضرب الله مثلًا رجلا فيه شركاء متشاكسون ... ) (1) .
تعتبر لغة عن المخاصمة والعناد والجدل في أخذ ورد لا يستقران، وقد تعطي بعض معناها الكلمة «متخاصمون» ولكن المثل لم يستعملها حفاظًا على الدلالة الصوتية التي جمعت في الكلمة حروف الأسنان والشفة في التاء والشين والسين تعاقبان، تتخللها الكاف، فأعطت هذه الحروف مجتمعة نغمًا موسيقيًا خاصًا حملها أكثر من معنى الخصوصية والجدل والنقاش بما أكسبها من أزيز في الأذن يبلغ السامع إلى أن الخصام قد بلغ درجة الفورة والعنف من جهة، كما أحاطه بجرس مهموس خاص يؤثر في الحس والوجدان من جهة أخرى.
ثانيًا: الكلمة «أوهن» من قوله تعالى:
(وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ... ) (2)
(1) الزمر: 29.
(2) العنكبوت: 41.
تعطي معنى الضعف، وقد تحقق هذا المعنى كلمة «أوهى» ولكن المثل استعملها دون سواها لما يعطيه ضم حروف الحلق وأقصى الحلق على النون من التصاق وانطباق وغنة لا تتأتى بضم الألف المقصورة إليها، حينئذ تصل الكلمة إلى السمع وهي تحمل لونًا باهتًا مؤكدًا بضم هذه النون إلى تلك الحروف لتحدث وقعًا يشعر بالضعف المتناهي لا مجرد الضعف وحده.
ثالثًا: الكلمة (كل) من قوله تعالى:
(وهو كلّ على مولاه ... ) (1)
فإنها توحي عادة بمعنى العالة، ولكن المثل استعملها دون سواها لإضاءة المعنى بما فيها من غلظة وشدة وثقل، لهذا الصدى الخاص المتولد بأطباق اللسان على اللهاة في ضم الكاف إلى الكلام المشددة. وما ينجم عن ذلك من رنة في النفس، ووقع على السمع، من وراء ذلك بأن هذا العبد شؤم لا خير معه وبهيمة لا أمل بإصلاحه، فهو عالة عادة بل هو «كل» وكفى.
رابعًا: الكلمة «صر» في قوله تعالى:
(كمثل ريح فيها صر ... ) (2)
إنها كلمة لا يسد غيرها مسدها في المعجم بهذه الدلالة الصوتية الخاصة لما تحمله من وقع تصطك به الأسنان، ويشتد معه اللسان، فالصاد الصارخة مع الراء المضعفة قد ولدتا جرسا يضفي صيغة الفزع، وصورة الرهبة، فلا الدفء يستنزل، ولا الوقاية تتجمع، بما يزلزل وقعه كيان الإنسان.
خامسًا: «تمسه» في قوله تعالى:
(ولو لم تمسسه نار ... ) (3)
(1) النحل: 76.
(2) آل عمران: 117.
(3) النور: 35.
(يُتْبَعُ)