والحملة على المحسنات البديعية لا تقلل من أهمية اللفظ، ومنزلته في تقويم المعنى، ولكن الإغراق بأصناف البديع يجعل اللفظ فارغًا إلا من جمال الهيئة الذي قد يعود وبالًا على اللفظ، كما تعود أشتات الحلي ثقلًا على الحسناء يوردها التلف.
ومن خلال ما تقدم تتضح أبعاد المعركة النقدية بين اللفظ والمعنى، وقد تجلى فيها أن الجاحظ والعسكري معنيان بحسن الصياغة وجزالة الألفاظ وقد عللنا هذا الرأي بصدوره عن دوافع نفسية وسياسية وقومية، انتهت بأناقة اللفظ وجرس الكلمة.
ولا حظنا بعد ذلك المقاييس النقدية عند ابن قتيبة بإرجاعها القيمة الفنية إلى القسيمين اللفظ والمعنى، واتفقنا معه في أصل الحكم والموضوع وناقشنا عن صحة تطبيقه لهذا الحكم.
ووقفنا عند رأي ابن رشيق في عدم الفصل بين اللفظ والمعنى وتكوينهما للوحدة الفنية في أي نموذج أدبي، وصاحبنا سيرورة هذا الرأي عند القدامى والمحدثين الغربيين والعرب، واستأنسنا بآراء ثلاثة من النقاد العرب: الشايب وطبانة وضيف، ووقفنا مع الأخير وقفة المقوم لرأيه والقائل بتفصيله ورسمنا من خلال ذلك انطلاقنا في تحديد أبعاد القضية، ثم عرضنا لرأي عبد القاهر، واختتمنا الموضوع بلقطات من كلامه وشذرات من تحقيقاته، ورأينا أن له الفضل في كشف العلاقة بين اللفظ والمعنى بما لهما من مميزات متنافرة، وانتهينا عنده بالتعبير بالنظم وحسن التاليف عن الصورة الأدبية.
الفصل الثالث
«دلالة الالفاظ»
ـ أنواع الدلالة
1 ـ الدلالة الصوتية
2 ـ الدلالة الاجتماعية
3 ـ الدلالة الإيحائية
4 ـ الدلالة الهامشية
أنواع الدلالة
الالفاظ مقترنة بمعانيها، قد نستوحي منها دلالات معينة لها قيمتها الجمالية تارة، ومفهومها البنائي تارة أخرى، ووقعها الموسيقي والصوتي ثالثًا، تتعرف من خلال هذا المنظور على ما يوحيه كل لفظ من صورة ذهنية تختلف عن سواها شدة وضعفًا، وتتباين وضوحًا وإبهامًا، وتدرك به العلة بين استعمال هذا اللفظ دون ذاك إزاء المعنى المحدد له بدقة متناهية، وهذا السر الدلالي في الألفاظ لا يكون واضحًا ـ في جزء منه ـ بحد ذاته مالم يستعن عليه بدلالة الجملة أو العبارة، إذ لا يمكن أن يتم التعبير عادة عن الغرض الفني بكلمة مفردة، ومع هذا الغرض، فالكلمة الواحدة أو اللفظة المفردة كانت لها دلالتها في أبعاد مختلفة، أحاول أن أجملها بما يلي: ـ
1 ـ الدلالة الصوتية:
وهي التي تستمد من طبيعة الأصوات نغمها وجرسها (1) فتوحي بوقع موسيقي خاص، يستنبط من ضم الحروف بعضها إلى البعض الآخر.
2 ـ الدلالة الإجماعية:
وهي الدلالة التي تستقل بها الكلمة عما سواها من فهم معين خاص بها (2) .
فهي دلالة لغوية في حدود العرف العام بما يكون متبادرًا إلى الذهن منها عند الإطلاق، على نحو ما تعارف عليه المجتمع في بيئته الكلامية
(1) إبراهيم أنيس: دلالة الألفاظ: 46.
(2) المصدر نفسه: 48.
(التخاطبية أو التفاهمية) والألسنية، فهي نتاج فهم مشترك عند الأفراد، وبذلك تتكون اللغة، فهي إذن دلالة لغوية.
وقد يطلق عليها اسم الدلالة المركزية التي يسجلها اللغوي في معجمه.
3 ـ الدلالة الإيحائية:
وهي الدلالة التي يوحي بها اللفظ بالأصداء والمؤثرات في النفس فيكون له وقع خاص يسيطر على النفس، لا يوحيه لفظ يوازيه لغة، فهو مجال الانفعالات النفسية والتأثر الداخلي للإنسان. وقد أدرك النقاد القدامى حقيقة اللفظ الإيحائي «وإن لم يحددوا للإفصاح عنه عبارة كالتي نستخدمها في عصرنا الحاضر» (1) .
4 ـ الدلالة الهامشية:
وهي الدلالة التي تصاحب اللفظ عند إطلاقه فيكسب دلالة معينة يفيدها كل سامع بحسب تجاربه (2) .
(يُتْبَعُ)