فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 336 من 30278

وامر آخر يقرب من الموضوع ويتابع من خطوه، هو أن الإيقاع الموسيقي والميزان العروضي، ليسا من المعاني والألفاظ في شيء فهما خارجان عن هاتين الحقيقتين، ولكنهما متداخلان معهما، وملازمان لهما، ولا ينعدمان في الدلالة على الصورة في القصيدة، وإن كانا شيئًا والقصيدة في محتواها شيئًا آخر.

والحق أن إدراك هذه العلاقة بين اللفظ والمعنى، واعتبارهما وحدة متجانسة في دلالتها على الصورة، يمكن اعتباره امتدادًا منطقيًا لجزء مهم من رأى الفريق الرابع من فرقاء المعركة.

4 ـ الفريق الرابع: وهذا الفريق يتمثل في عبد القاهر الجرجاني (ت 471 هـ) في كتابيه «دلائل الإعجاز» و «أسرار البلاغة» فقد هذب عبد القاهر من المفاهيم المرتجلة لدلالة الألفاظ والمعارف وأقامها على أصل لغوي وعلمي رصين، وأدرك مسبقًا سر العلاقة القائمة بين اللفظ والمعنى، ورفض القول بإيثار أحدهما على الآخر، واعتبرهما بما لهما من مميزات وخصائص واسطة تكشف عن الصورة، فقال بالنظم تارة، وبالتأليف تارة أخرى، مما لم يوفق إليه الفرقاء في النزاع، والملاحظة عنده أن النظم عبارة عن العلاقة بين الالفاظ والمعاني، وأنها تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل (1) .

وقد يخيل للبعض أن عبد القاهر من أنصار المعنى دون اللفظ نظرًا لتهجمه على القائلين بأولوية اللفظ، وليست الألفاظ عنده «إلا خدم المعاني» (2) ، ولكن عبد القاهر يشن هذه الحملات، ويصول ويجول في قلمه وما يضربه من أمثلة وشواهد، وما يقرره من قواعد، لا انتصارًا للمعنى، وإنما هو تفنيد لآراء القوم وتدليل على مفهوم الصورة عنده

(1) الجرجاني، دلائل الإعجاز: 40.

(2) المصدر نفسه، وأسرار البلاغة: 5.

بالنظم، ولا نظم في الكلم وترتيب حتى يعلق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك» (1) .

ويعود عبد القاهر بالنظم إلى أصل قائم على أساس من علم النحو، وطبيعي أن النحو يعني ببناء الكلمة وإعرابها، ومعرفة هذه الصيغة ـ وإن كانت منصبة على اللفظ ـ فإنها ترتبط بمعنى اللفظ في وضعه بمكانه من المعنى المراد، لأن المعاني لا يحل إبهامها ما لم يقصد إليها من خلال الألفاظ، والألفاظ لا يفهم مؤداها مالم تضبط صياغة وتصريفًا ونحوًا بناء وإعرابًا على حد سواء، وهما متعاونان معًا على كشف العلاقة التي عبر عنها بالنظم و «ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه على النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف منهاجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء» (2) متخذًا بالإضافة إلى هذا التشبيه والمجاز والاستعارة مضمارًا لشرح آرائه، وميدانًا لاستدراكاته على أصحاب اللفظ، وأن النظر إلى هذه المقومات اللفظية بأقسامها وأنواعها لا يعود لألفاظها فحسب، وإنما للمعاني وما تضفيه على الألفاظ مما يكون حسن النظام وجوده التأليف، وهو العلاقة المترتبة على فهم القسيمين اللفظ والمعنى (3) .

وحقًا إنك لتجد عبد لقاهر قوي الحجة، عجيب المناظرة، في جولته النقدية هذه، فلا تكاد تنتهي من فصل سفرية حتى تقع في فصل مثله، يزيدك سخرية بأولئك جرحًا وتقويمًا، وإرجاعًا بآرائهم إلى ما اعتادوه دون روية وتمييز من شغف بالبديع وتعلق بالصناعة، حتى ليصعب فهم ما يقصدون من الكلام، فالسامع يخبط في عشواء، من كثرة التكلف وشدة التمحل، وهو يقرر هذا المعنى بقوله: إن في كلام المتأخرين كلامًا حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ما له اسم في البديع، إلى أن ينسى أنه يتكلم ليفهم، ويقول ليبين، ويخيل إليه أنه إذا جمع بين أقسام البديع في

(1) دلائل الإعجاز: 43.

(2) المصدر نفسه: 61.

(3) الجرجاني، أسرار البلاغة: 6.

بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء، وأن يوقع السامع من طلبه خبط عشواء، وربما طمس بكثرة ما يتكلفه على المعنى وأفسده كمن يثقل العروس بأصناف الحلي حتى ينالها من ذلك مكروه في نفسهم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت