فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 335 من 30278

يرى الأستاذ أحمد الشايب عدم إمكانية فصل القيمة الفنية بين اللفظ والمعنى ويرى كلًا منهما انعكاسًا للآخر بسبب «شدة الارتباط بين المادة والصورة أو بين اللفظ والمعنى، أو بين الفكرة والعاطفة من ناحية، والخيال واللفظ من ناحية ثانية، إذ كان هذان صورة لذينك، وأي تغيير في المادة يستتبع نظيره في الصورة والعكس صحيح» (1) .

ويرى الدكتور بدوي طبانة أن اللفظ والمعنى حقيقتان متحدتان، ومنزلتهما واحدة لا تمايز بينهما، والعناية بأحدهما عناية بالطرف الآخر، والاهتمام يجب أن يقسم عليهما بالتساوي لأنه اهتمام بالعمل الأدبي وزنة للقيمة الفنية فيقول: «وليست منزلة المعنى دون منزلة اللفظ في تقدير القيمة الفنية للعمل الأدبي، ولا شك عند المنصفين أن وجوب مراعات جانب المعنى لا يقل شأنًا عن وجوب الاهتمام بالالفاظ» (2) .

وقد أبدى الدكتور شوقي ضيف اهتمامًا كبيرًا بالمسألة، ووجه لها عنايته الفائقة، وأعار لها الصفحات العديدة في كتابه «النقد الأدبي» وتوصل إلى أن الفصل بين اللفظ والمعنى، أو الشكل والمضمون أمر مستحيل ... «فليس هناك محتوى وصورة، بل هما شيء واحد، ووحدة واحدة، إذ تتجمع في نفس الأديب الفنان مجموعة من الأحاسيس ويأخذ تصويرها بعبارات يتم بها عمل نموذج أدبي، وأنت لا تستطيع أن تتصور مضمون هذا النموذج أو معناه بدون قراءته، وكذلك لا تستطيع أن تتصور صورته أو شكله أو لفظه، دون أن تقرأه، فهو يعبر عن الجانبين جميعًا مرة واحدة، وليسا هما جانبين، بل هما شيء واحد، أو جوهر واحد ممتزج متلاحم،

(1) أحمد الشايب، أصول النقد الأدبي: 246.

(2) بدوي طبانة، دراسات في نقد الأدب العربي من الجاهلية إلى نهاية القرن الثالث: 138 ـ 139.

ولا يتم نموذج فني باحدهما دون الآخر ... وإذن فلا فارق بين المعنى والصورة أو اللفظ في نموذج أدبي ... ومعنى ذلك أن مادة النموذج الأدبي وصورته لا تفترقان فهما كل واحد. وهو كل يتألف من خصائص جمالية مختلفة، قد يردها النظر السريع إلى الخارج أو الشكل، ولكننا إن أنعمنا النظر وجدناها ترد إلى الداخل والمضمون، فهي تنطوي فيه، أو قل تنمو فيه ... وإذن فكل ما نلقاه في كتب البلاغة من وصف اللفظ إن تأملنا فيه وجدناه في حقيقته يرد إلى المعنى، حتى الجناس وجرس الألفاظ، فضلًا عما توصف به الكلمات من ابتذال أو غرابة. والمضمون بهذا المعنى يتحد مع الشكل، فهو البناء الأدبي كله وهو الحقائق والأحاسيس النفسية الكامنة فيه» (1) .

وهذه اللقطات مما خطط له شوقي ضيف، وعزاه إلى أصحاب الفلسفة الجمالية، يفتح آفاقًا جديدة في مفهوم الصورة الأدبية ودلالتها، إذ يتخطى بها الشكل إلى المضمون، فيعتبرها وحدة متماسكة الأجزاء، متناسقة الأعظاء. والطريف فيه أن يعود بالمحسنات البديعية وأجناس التصنيع على المعنى في خلق الصورة، ويرتبط بين موسيقية اللفظ وجرس الكلمة وبين إرادة المعنى في بناء الهيكل الأدبي للنص. ومن هنا ـ ويتحدد انطلاقنا مع الصورة الأدبية في أبعادها ـ كان لزامًا علينا أن نبحث بناء القصيدة في شكلها الخارجي باعتباره الإطار التكويني لمادة القصيدة، ومادة القصيدة باعتبارها المحتوى الذي ازدحمت ـ نتيجة له ـ الأشكال والرسوم الأولية لهيكل القصيدة العام الذي يتبلور به الجمال التخطيطي لها، بغية أن تكون معالم الرؤية بينة السمات للصورة الأدبية من خلال هذا التلاحم العضوي والاتصال الفعلي بين الصيغة الظاهرية والقيم الكامنة في المعاني التي جسدت حقيقتها الألفاظ.

وقد يبدو هذا بعيدًا عن مجال الصورة الأدبية، باعتبارها الشكل الناطق والمعبر، ولكن نظرة فاحصة لبناء القصيدة ـ في هذا الشكل الناطق والمعبر ـ تغني عن الأطناب، وتكفي دلالة في التأكيد أن هذا الشكل نطق

(1) شوقي ضيف، في النقد الأدبي: 163 ـ 165.

وعبر بما احتوى من مادة ولم يكن هيكلًا فارغًا عقيم الاصداء، وإنما استقام سويًا متكاملًا بهذه العلاقة واللحمة الطبيعية بينه وبين المضمون فعاد متجاوب الأجراس.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت