ولا يخلو هذا التعريف من غرابة وطرافة وإيهام، لأنه مجموعة من الألفاظ المتشابهة والمعاني المترادفة التي لا نصل معها إلى تحديد، ولا تكشف لنا عن جديد، إلا في إرادة التنقل من تعبير حقيقي ـ فيما يبدو ـ الى تعبير استعاري.
ويعتبر الأستاذ أحمد الشايب «الوسائل التي يحاول بها الأديب نقل فكرته وعاطفته معًا إلى قرائه وسامعيه (3) هي الصورة الفنية» ثم يذكر أن لها معنيين:
الأول: ما يقابل المادة الأدبية، ويظهر في الخيال والعبارة.
الثاني: ما يقابل الأسلوب، ويتحقق بالوحدة، وهي تقوم على الكمال والتأليف والتناسب (4) .
ومقياس الصورة عنده «هو قدرتها على نقل الفكرة والعاطفة بأمانة ودقة ـ فالصورة هي العبارة الخارجية للحالة الداخلية ـ وهذا هو مقياسها الاصيل، وكذا ما نصفها به من روعة وقوة إنما مرجعه هذا التناسب بينها وبين ما تصور من عقل الكاتب ومزاجه تصويرًا دقيقًا خاليًا من الجفوة والتعقيد، فيه
(1) أحمد نصيف الجابي، في الرؤية الشعرية المعاصرة: 119.
(2) محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس، في الثقافة المصرية: 58.
(3) أحمد الشايب، أصول النقد الأدبي: 242.
(4) المصدر نفسه: 259.
روح الأديب وقلبه، بحيث نقرؤه، كأنا نحادثه، ونسمعه كأنا نعامله».
وهذا القياس ذو أهمية جديرة بالتأمل، فالصورة من جانب قوة خلاقة قادرة على نقل الفكرة، وإبراز العاطفة، وهي الشكل الخارجي المعبر عن الحالة النفسية للمنشئ وعن تفاعله الداخلي، وهي الضوء الكاشف عن كفاءة المبدع الفنية، وروحه الشفافة الرقيقة ـ نتيجة لإيجاده الملاءمة بين نقل الفكرة وتعبيرها النفسي أسلوبيًا ـ وبها يتميز عقل المتكلم ويحكم عليها بالدقة والإبداع والتطوير دون وساطة أخرى، وإنما نقرؤه تجسيدًا، ونسمعه تشخيصًا وإدراكًا من خلال هذا التناسب والارتباط الذي حققه في هذا العمل الأدبي أو ذاك، وهو الصورة. فالصورة عنده إيجاد للملاءمة والتناسب بين الفكر والأسلوب، أو اللغة والأحاسيس.
ولعل هذا التحديد للصورة في تعريفها ومعناها ورؤية هويتها ومقياسها من أفضل التعاريف الفنية نظرًا لما يحمله في تضاعيفه من الوضوح والمرونة والدقة العلمية، ولأنه جامع مانع كما يقول المناطقة.
ويقول الدكتور داود سلوم «إن امتزاج المعنى والألفاظ والخيال كلها هو الذي يسمى بالصورة الأدبية، ومن ترابطها وتلاؤمها والنظر إليها مرة واحدة عند نقد النص يقوم التقدير الأدبي السليم» (1) .
فمقياس الصورة عند الدكتور داود سلوم يقوم على أساس تجسيد الفكرة العامة للعلاقات الجزئية في النص الأدبي لتشكل كلًا فنيًا واحدًا.
وتقول روز غريب «الصورة في أبسط وصف لها تعبير عن حالة أو حدث بأجزائهما أو مظاهرهما المحسوسة. هي لوحة مؤلفة من كلمات، أو مقطوعة وصفية في الظاهر لكنها في التعبير الشعري توحي بأكثر من المظاهر، وقيمتها ترتكز على طاقتها الإيحائية، فهي ذات جمال تستمده من اجتماع الخطوط والألوان والحركة ونحو ذلك من عناصر حسية، وهي ذات قوة إيحائية تفوق قوة الإيقاع لأنها توحي بالفكرة كما توحي بالجو والعاطفة» (2) .
(1) داود سلوم، النقد الأدبي: 1>81.
(2) روز غريب، تمهيد في النقد الحديث: 190.
وهذا التعريف ـ في كثير من ابعاده ـ تعريب تقليدي لتعريف «وليم فان» السابق، وشرح له، وكشف لدوافعه، وإن أعوزته جودة التركيب وقوة الصياغة، ولكنه يشير من طرف خفي إلى البعد الرمزي في الصورة بكونها تعبيرًا يوحي بأكثر من الظاهر، والكاتبة هنا تلاحظ في الجانب الإيحائي قوة تفوق الإيقاع والنغم وصنوف المحسنات البيانية، ولكنها قد تعارض هذا الرأي الذي نقلته في خطوطه العامة دون إدراك لهذه المعارضة، فهي تعتبر الصورة تتخطى حدود الاستعارة والمجاز والتشبيه، وتتعدى الخيال والعاطفة فقد تنشأ عن أصل واقعي بعيد عن الخيال من جهة، وضروب البيان من جهة أخرى، وهما الجانب الإيحائي في الصورة والذي أكدته في الرأي نفسه، ثم تعود للتعبير عنه بقولها:
(يُتْبَعُ)