«الصورة الشعرية لا تنحصر في التشابيه والاستعارات وسواها من ضروب المجاز، ولكنها كل صورة توحي بأكثر من معناها الظاهر، ولو جاءت منقولة عن الواقع» (1) متناسية أن الإيحاء بأكثر من المعنى الظاهر لا يتم إلا باللحن، أو الرمز، أو التعريض، أو الكناية، أو التشبيه أو الاستعارة، وكلها من ضروب المجاز بمعناه العام.
ويرى الدكتور مصطفى ناصف أن الصورة تستعمل عادة: «للدلالة على كل ما له صلة بالتعبير الحسي، وتطلق أحيانًا، مرادفة للاستعمال الاستعاري» (2) .
فالصورة عنده ما استدل بها على التعبير الشاخص الذي يوصلنا إلى إدراك حقيقة الشيء من جهة، وعلى دلالة الكلمة الاستعارية من جهة أخرى، فالشق الأول من كلامه يعني بإيحاء الصورة، والثاني يعني بشكلها الخارجي في الدلالات المجازية.
ثم يأتي بعد هذا فيحدد الصورة بأنها:
«منهج ـ فوق المنطق ـ لبيان حقيقة الأشياء» (3) وهذا التحديد لمفهوم
(1) المصدر نفسه: 203.
(2) مصطفى ناصف، الصورة الأدبية: 3.
(3) المصدر نفسه: 8.
الصورة يكاد ينتقل بنا من المجال الأدبي إلى التدقيق الفلسفي، فلا يعلم ماذا يراد منه بالضبط ـ هل يراد بالمنهج طريقة العرض والأسلوب، أو مجموعة العلاقات الاستعارية في النص؟ وما هي طبيعة هذه الحقائق التي تبينها الصورة؟ أحقيقة اللفظ، أم المعنى، أم الحس، أم العلاقة القائمة بين الجميع (1) .
ويرى الدكتور جابر أحمد عصفور أن الصورة «طريقة خاصة من طرق التعبير، أو وجه من أوجه الدلالة، تنحصر أهميتها فيما تحدثه في معنى من المعاني من خصوصية وتأثير. ولكن أيًا كانت هذه الخصوصية أو ذاك التأثير، فإن الصورة لن تغير من طبيعة المعنى في ذاته. إنها لا تغير إلا من طريقة عرضه، وكيفية تقديمه» (2) .
فالصورة عنده عرض أسلوبي يحافظ على سلامة النص من التشويه، ويقدم المعنى بتعبير رتيب، وهي بعد طريقة لاستحداث خصوصية التأثير في ذهن المتلقي بمختلف وجوه الدلالة التي يستقيها من النص في منهج تقديمه، وكيفية تلقيه، وما يحدثه ذلك عنده من متعة ذهنية، أو تصور تخييلي نتيجة لهذا الغرض السليم.
(1) المؤلف، الصورة الأدبية في الشعر الأموي: 18.
(2) جابر أحمد عصفور، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي: 392.
4 ـ مقارنة وتحديد
وخلاصة ما تقدم من جولتي مع القدامى والمحدثين من النقاد، أكاد أخرج بنتيجة تمليها المقارنة بين النصوص هي: ـ
أ ـ إن النقاد القدامى لم ينهضوا بمفهوم الصورة إلى المجال الاصطلاحي الدقيق، ولم يخرجوا بها عن مدلولها اللغوي، ولم يتبلور عندهم بعدها النقدي الأصيل باستثناء عبد القاهر الذي ابتدع لنا في استعمال الصورة دلالة اصطلاحية جديدة، فكان ما أعطاه ـ وحده ـ جديرًا بتحديد الاصطلاح في خطوطه الاولى. ولا يعطينا ذلك استعمال الجاحظ لها، وقدامة، والعسكري، وابن الأثير، لأمرين مهمين هما:
الأول: أن كل مصطلح مهما كان عريقًا في القدم فإنه لا يأخذ من قدمه هذا صيغة نهائية، ولا بد له من الصقل والتطوير والتهذيب، وذلك لتقلب الرواد عليه، وتمحيصهم له، وتفريعهم عن أصوله حتى يصل إلى حد التكامل. والصورة إحدى هذه المصطلحات في تكوينها البدائي وقد كان صقلها وبلورتها مما انفرد به عبد القاهر دون سواه، وقد كان بهذا الصقل والتهذيب موضع تأثير كبير في نظريات النقاد المحدثين من العرب والغربيين والمستشرقين (1) .
الثاني: إن القدامى في معركتهم البلاغية لم يفرغوا من التفريق أو التوفيق بين اللفظ والمعنى، أو الشكل والمضمون، أو الصورة والمادة، للوصول إلى مقياس فني يعتمد عليه في التمييز بين أساليب الكلام الجمالية، وفي الرجوع بذلك المقياس إلى الصيغة والتركيب، أو إلى المادة
(1) ظ: في تفصيل ذلك: المؤلف، الصورة الأدبية في الشعر الأموي: 28 ـ 31.
(يُتْبَعُ)