ولعل عبد القادر الجرجاني هو أول من أعطى للصورة دلالة اصطلاحية وهي تعني لديه الفروق المميزة بين معنى ومعنى، وشبهها بالفروق التي تميز هيكل إنسان ما عن إنسان، وخاتم عن خاتم، وسوار عن سوار، ولكن هذه الفروق بوقت انطباعها على هيئة الشيء فإنها يستدل بها على حقيقته.
(1) الجرجاني، اسرار البلاغة: 81.
(2) ابن منظور، لسان العرب: 6>143.
(3) المصدر نفسه: 6>144.
وقد وجد عبد القادر في استعماله لهذا الاصطلاح غرابة نظرًا نظرًا لجدته في مجاله الخاص به، وخشي أن ينكر عليه النقاد ذلك فتستر بالجاحظ كلمة التصوير لم تكن واضحة تمامًا، إذ التصوير عند الجاحظ ـ كما يبدو من سياق تعبيره ـ لا يتعدى حدود الجهد العقلي أو العملي الذهني في صياغة الشعر، وهو أجنبي عن مصطلح عبد القاهر الذي استعمله مبتكرًا له ومبتدعًا لمدلوله. فالجرجاني بهذا قد أعطى للصورة رؤية جديدة، وما ذكره دقيق جدًا، فالصورة عنده ليست هي نفس الشيء، وإنما هي مميزاته المفرقة له عن غيره، وهذه المميزات قد تكون في الشكل وقد تكون في المضمون، لأن الصورة مستوعبة لهما، والنظرة لأحدهما لا بد أن تنعكس على الآخر.
لهذا فإن ما أبداه عبد القاهر، يصلح أن يكون نواة لما استقر عليه المصطلح النقدي الأصيل للصورة لدى المحدثين. وليس هنا مجال للتفصيل في الاستدلال على صحة هذا الرأي، لأننا سبق وأن بحثناه في خطوطه العريضة (1) ، إلا أننا سنلمح له في المقارنة كما سيأتي.
وأما ما أبداه التهانوي، وهو من المتأخرين عن عصر عبد القاهر كثيرًا، فقد ترجم رأي عبد القاهر في استجلاء الفروق والمميزات فيما يحصل في الذهن من معلومات، هذا لو أراد الصورة في مصطلحها الفني، أو لو حملنا كلامه على الصورة في اصطلاح الفلاسفة ـ وهي تعني الهيولي في مقابل المادة عند القوم ـ فحديثه لا يعنينا حينئذ، ويحمل كلامه على ما حمل عليه كلام من سبقه.
(1) ظ المؤلف: الصورة الأدبية في الشعر الأموي: 20 ـ 35.
3 ـ الصورة عند النقاد المحدثين
على الرغم من الاتجاه السائد عند النقاد المعاصرين من العرب والغربيين والمستشرقين في محاولة دراسة الصورة الفنية لأي عمل أدبي، فإن حقيقة الصورة ما زالت موضع اختلاف لديهم في مجالات التحديد، ويذهبون بذلك مذاهب هي أقرب إلى الغموض منها إلى الوضوح.
لقد عرف (فان van ) الصورة بقوله: «الصورة كلام مشحون شحنًا قويًا، يتألف عادة من عناصر محسوسة، خطوط، ألوان، حركة، ظلال، تحمل في تضاعيفها فكرة أو عاطفة أي إنها توحي بأكثر من المعنى الظاهر، وأكثر من انعكاس الواقع الخارجي، وتؤلف في مجموعها كلًا منسجمًا» (1) .
وهذا يعني أنها مجموعة العناصر المحسوسة التي ينطوي عليها الكلام، وتوحي بأكثر مما تحمله من تضاعيف المعنى الظاهر، وإنها تنحصر في جانبين:
1 ـ الجانب الحسي المرتكز على الفكرة والعاطفة والمشاهدة.
2 ـ الجانب الإيحائي الذي يضفي على الشكل أكثر من تفسيره الظاهري.
وعرف «بوند» الصورة بأنها «ما ينقل عقدة فكرية أو عاطفية في لحظة زمنية» (2) . فهي عنده الوسيلة التي تعبر في طريقة عرضها من مركب فكري، أو إحساس عاطفي مرتبطين بلحظة زمنية معينة.
(1) روز غريب، تمهيد في النقد الحديث: 192 وما بعدها.
(2) إحسان عباس، فن الشعر: 90.
ويعرف البعض الصورة بأنها «مشهد أو رسم قوامه الكلمات» (1) . فهي عنده لوحة فنية تتضافر على إخراجها الألفاظ، سواء بمدلولها الحسي، أم بمدلولها الإيحائي متناسيًا أن كثيرًا من المشاهد والرسوم تبدو مفتقرة إلى الصورة الفنية وإن تقومت بالكلمات.
ويعبر عنها البعض الآخر بأنها «حركة متصلة في قلب العمل الأدبي تتبصر بها في دوائره ومحاوره ومنعطفاته، وننتقل بها داخل العمل الأدبي في مستوى تعبيري إلى مستوى تعبيري آخر، حتى يتكامل لدينا البناء الأدبي كائنًا عضويًا حيًا (2) .
(يُتْبَعُ)