القول الأول: ذهب بعض أهل العلم إلى جواز الخروج على الحكام الظلمة عند الاستطاعة مطلقا، لما ثبت في كثير من الأدلة الشرعية من وجوب تغيير المنكر وتحريم السكوت على أهل الفسق والظلم وأن الله تعالى يعاقب كل من حضر المنكر ولم ينكره سواء الفاعل أو الراضي، ومن هذه الأدلة: قوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25] . وهذه الآية دليل على أن العقوبة على المعصية والظلم لا تقتصر على الفاعل فقط بل تتعداه إلى الساكت عليه التارك لتغيير المنكر مع الاستطاعة.
القول الثاني: ذهب كثير من أهل العلم إلى المنع من الخروج على الحكام الظلمة لما يحدث من جراء ذلك من فتنة المسلمين وإراقة دمائهم وانتقام الحكام منهم واستباحة الديار والأموال.
قال النووي رحمه الله:(وأما الخروج عليهم -أي الحكام الظلمة- وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ذلك وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق ...
قال العلماء وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه.)اهـ شرح مسلم ج 12/ 469.
وما حكاه النووي من الإجماع فمنقوض بما ورد عن كثير من أهل العلم بجواز الخروج على الحاكم الظالم.
وقد ذكر ابن الوزير الصنعاني رحمه الله في الروض الباسم 2/ 34 قال:(ومن ذاك ما ذكره ابن حزم في الرد على أبي بكر بن مجاهد فإنه ادعى الإجماع على تحريم الخروج على الظلمة فرد ذلك عليه ابن حزم واحتج عليه بخروج الحسين بن علي رضي الله عنه وخروج أصحابه على يزيد وبخروج الأشعث ومن معه من كبار التابعين وخيار المسلمين على الحجاج بن يوسف الثقفي ... إلى أن قال:
وقد ذكر هذه المسألة القاضي عياض وذكر دعوى ابن مجاهد الإجماع، قال القاضي: ورد عليه بعضهم على هذا بقيام الحسين بن على رضي الله عنه وابن الزبير رضي الله عنه وأهل المدينة على بني أمية وقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج من ابن الأشعث.)اهـ
فالإجماع المحكي والله أعلم ليس صحيح بل المسألة فيها خلاف قديم، لكن يقول العلماء: استقر مذهب أهل السنة، -هكذا الصواب والله أعلم- استقر مذهب أهل السنة على تحريم الخروج، لكن أيضا هي فتوى لما ينجر عليها من مفاسد.