ترفع الدعوى. ولكن هل يجوز لك أن تفوّض وكيلًا؟ هذا الوكيل يقوم بالدعوى سواء للمدّعي أو للمدّعى عليه؟ نعم قالوا يجوز هذا. وهذا الذي ذكره القاضي السمناني المتوفى سنة 499 ه في (روضة القضاة وطريق النجاة) عندما قال:
«باب جواز دعوى الوكيل لغيره.
687 -اعلم أن الوكيل إذا صحت وكالته ولزمته حجته جاز للقاضي أن يسمع دعواه، والدعوى عليه فيما يصح أن يتولّاه لغيره. -في حدود الوكالة طبعًا-.
688 -وهو كالولي، لأن النبي صلي الله عليه وسلم وكل عمرو بن أمية الضمري في تزويج أم حبيبة». -عمرو بن أمية الضمري بن خويلد هذا من الصحابة الكبار رضي الله عنه، كان يُكنّى بأبي أمية، بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- عينًا إلى قريش ليعلم منهم الأخبار، وأيضًا الرسول -صلى الله عليه وسلم- أرسله إلى النجاشي وكيلًا عنه فعقد له على السيدة أم المؤمنين: حبيبة بنت أبي سفيان، ثم بعد ذلك هو -رضي الله عنه- توفي في آخر أيام سيدنا معاوية بن أبي سفيان يعني في سنة 60 ه تقريبًا. لكن الشاهد من هذا جواز الوكالة لأن الرسول وكّل عمر بن أمية في تزويج السيدة أم حبيبة فاعتبروا أن هذا الأمر جائز.
«وكذلك أئمة العدل ووجوه الصحابة والتابعين، وهو عمل الناس في جميع الأمصار» . يعني كانوا يوكّلون من يقوم بالبيع والشراء وأيضًا يجوز الوكالة في القضاء. وذلك سواء للمدّعي أو للمدّعى عليه.
لكن هناك حدود للوكالة، يعني إذا أراد القاضي أن يوجّه اليمين من الذي سيقسم: الوكيل أم الأصيل؟ يعني إذا كان لا يوجد بيّنة ولا بد على المدّعى عليه أن يقسم مثلًا، فمن الذي عليه القسم؟ وسنتكلّم عن هذا الموضوع بالتفصيل فيما بعد في موضوع «وسائل إثبات الدعوى» وهذه الوسائل من ضمنها اليمين والنكول عن اليمين. لكن هنا القاضي يوجّه هذا اليمين للأصيل وليس للوكيل.
وهناك خلاف بين العلماء في بيوع العقارات أن يذهب الوكيل لبيع كل الأملاك ويقسم عليها ويسلّمها، فقالوا لا؛ لأنه في هذه الحالة المسألة خطيرة، لأنه يقسم بيمين وهذا اليمين ديني، أنه يقسم بالله العظيم أنه مثلًا هذا ما عليه دين لفلان الفلاني أو أنه له عليه كذا، فهذه اليمين بينه وبين ربّه، فكيف الوكيل سيتدخل بين الأصيل وبين ربه؟! إذًا الوكيل له حدود، يبيّن ويعرض الأدلة والوثائق ويرد يجوز له، لكن إلا في مسائل مثل هذه.