فسنتكلّم عن غياب المدّعى عليه وهل يجوز الحكم عليه في غيابه؟ كل هذه المسائل سنحاول أن نذكرها ونوجزها بقدر الاستطاعة إن شاء الله.
ولكن أحب أن أذكّركم كما قلنا من قبل في مسألة «تعريف الدعوى» عند ابن عابدين في قوله في (الحاشية) في كتاب الدعوى: الدعوى لغة: «قَوْلٌ يَقْصِدُ بِهِ الْإِنْسَانُ إيجَابَ حَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ» . وجمعها دعاوى ودعاوي، يعني يجوز أن تكسر الواو أو تفتحها. وهي شرعًا «قَوْلٌ مَقْبُولٌ» . قول مقبول عند من؟ ونحن في الشارع؟ أو عند الشيخ أو عند إمام المسجد؟ لا، هي قول مقبول عند القاضي يقصد به طلب حق قبل غيره، أو دفعه.
وتكلّمنا عن التعريف هذا من قبل ولكن أردت أن أذكركم به. وأذكّركم أيضًا أن الدعوى الصحيحة هي أن يكون كل من المدّعي والمدّعى عليه عاقلًا، فلا تصح دعوى المجنون، ولا الدعوى عليه، ولا دعوى الصبي الذي لا يعقل، ولا الدعوى عليه.
وقلنا أيضًا أن يكون الحق المدّعى به معلومًا، يعني لا يأت واحد للقاضي يقول له هذا لي عليه شيء، لا بد أن يحدد ما هو الشيء هذا بالتفصيل. ويدخل في ولاية القضاء وتجري عليه الأحكام، يدخل في ولاية القضاء يعني مثلما قلنا العبادات لا تدخل في ولاية القضاء، كأن يرفع دعوى ويقول أنا توضأت فهل وضوئي صحيح أيها القاضي؟ أو يرفع دعوى ويقول يا قاضي هذا رجل جاري غني فَمرْه بأن يتصدّق علي! فهذه كلها دعاوى غير مقبولة ولا يسمعها أصلًا القاضي ابتداءً.
وقلنا أن يكون المدّعى به مما يحتمل الثبوت بألا يكون مستحيلًا عقلًا ولا عادةً. يعني كما قلنا لكم يستحيل واحد يدّعي على إنسان أن هذا الرجل أبوه ويكون أصغر منه شخصيًا، أصغر من المدّعي نفسه. وأيضًا أن تكون الدعوى ملزمة للمدّعى عليه بشيء على افتراض ثبوتها، يعني هي ملزمة له، أنت تطالب القاضي هذا الرجل عليه دين لي فإذا ثبت هذا الدين فإنه يُلزم هذا المدّعى عليه بأن يرده إليك.
إذًا هذه الدعوى الصحيحة.
الدعوى الفاسدة:
أما الدعوى الفاسدة فقد تكلّم عنها الإمام الماوردي في (الحاوي الكبير) في أدب القاضي أيضًا وقسّمها إلى أقسام. ولكن نحن سنقول الدعوى الفاسدة قد تكون دعوى صحيحة ولكن فيها بعض الأشياء التي قد تكون