سأتكلم عن المحكوم به، وطبيعة هذا القضاء المسمى بالتحكيم، لأنكم ستجدون البعض يقصرونه مثلًا على أنواع معينة من القضايا، يستثنون الحدود والقصاص واللعان وحتى بعض التعازير، فستجد من يتوسع ومنهم من يضيّق ومنهم من يشترط، فيحدث خلط في هذا الأمر.
الآن نحن في فترة زمنية لا يوجد فيها إمام للمسلمين، ولا يوجد فيها سلطان ممكّن حتى في أي بقعة من الأرض إلا في أماكن عبارة عن كرّ وفرّ. فإذًا سنتكلّم عن التحكيم لأنه مهمّ في أيامنا هذه، سواء في البلاد التي تُحكم بقوانين معادية للإسلام أو في أماكن الحروب المفتوحة، أو التي لا يوجد لها سلطان لا قانون وضعي ولا غيره، فهنا يكون التحكيم مهمًا في هذه الحالة، وهو معين أيضًا للقاضي الذي يعيّنه حتى لأي سلطان، لأي أمير في مكان حرّر أرضًا معيّنة، فإن هذا التحكيم مفيد له في هذه الحالة.
تعريف التحكيم:
في (مجلة الأحكام العدلية) في المادة 1990 نصّت على تعريف التحكيم قالوا: «التَّحْكِيمُ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ اتِّخَاذِ الْخَصْمَيْنِ آخَرَ حَاكِمًا بِرِضَاهُمَا؛ لِفَصْلِ خُصُومَتِهِمَا وَدَعْوَاهُمَا وَيُقَالُ لِذَلِكَ حَكَمٌ بِفَتْحَتَيْنِ وَمُحَكَّمٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِّ الْمَفْتُوحَةِ» .
والعلماء لهم عبارات مثل: تولية الخصمين حاكمًا يحكم بينهما. و «الخصمين» ليس المراد بهما شخصين فقط، لكن ممكن هما فريقان يختصمان، فيشمل ما لو تعدد الخصوم.
حتى ابن فرحون عندما عقد لها فصلًا في كتابه (تبصرة الحكام) يقول: «فِي التَّحْكِيمِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ إذَا حَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا وَارْتَضَيَاهُ؛ لَأَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْأَمْوَالِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وَلَا يُقِيمُ الْمُحَكَّمُ حَدًّا، وَلَا يُلَاعِنُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَلَا يُحَكَّمُ فِي قِصَاصٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ وَلَاءٍ» . وكل هذا سأتكلم فيه فيما بعد، لأن المذاهب المالكي يضيّق كثيرًا في هذه المسألة، وعند المذاهب الأخرى هناك أيضًا خلافات شبيهة.
المستند الشرعي للتحكيم:
-استند العلماء في هذا إلى قول الله تعالى في التحكيم عند شقاق الزوجين كما في سورة النساء: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا