نفترض القاضي حكم ولكن بعد أن حكم بعض الناس أطلعوه أن هناك شهودا زور بالبيّنة، فليست القضية أن يأتي واحد إلى القاضي يقول له أنت حكمت والشهود هؤلاء شهود زور بدون بيّنة ولا شيء، لا يجوز قبل مثل هذا الكلام، لأنه ممكن يُفعل من باب النكاية في الشهود. لا بد من أدلّة قاطعة، ولا بد إما أن يقرّا وإما من بيّنة صحيحة تثبت ذلك للقاضي حتى ينقض حكمه أو لو نفذ حكمه ففي هذه الحالة سيعاقب هؤلاء الشهود أو يرجع عليهم بالدية.
إذًا هذا موضوع حكم القاضي ونقض حكم القاضي. وقلت لكم ذكرها أيضًا الإمام الخصّاف المتوفى سنة 261 في كتاب (شرح أدب القاضي) ، والإمام ابن مازة المتوفى سنة 536 ه الملقّب بالصدر الشهيد وتكلّمت عنه فيما قبل شرح هذه المسائل في كتاب مطبوع من أربع مجلّدات، والقاضي السمناني أيضًا في (روضة القضاة) أعطى أمثلة كبيرة جدًا، والقاضي ابن أبي الدم المتوفى سنة 642 ه تكلّم أيضًا في كتاب (أدب القضاء) . وحتى هؤلاء القضاة كانوا يبوّبون كتب القضاء على الأبواب الفقهية وعلى المسائل التي تُثار أمام القاضي.
لأن إن شاء الله في الدرس القادم وهو الدرس السابع عشر وسيكون الدرس الأخير إن شاء الله أقول يجب على القاضي، نصيحة لطلبة العلم، أن يقرأ في الفقه أيضًا كثيرًا. لأن القاضي لا بد أن يستشير أيضًا في المسائل الفقهية، لأن القاضي لا يكون ملمًا بكل أبواب الفقه فيستشير بعض الفقهاء أيضًا، وهذا لا يعيبه ولا يشينه، وكان القضاة يفعلون ذلك قديمًا كشريح والشعبي وغيرهم رغم أنهم مجتهدون اجتهادً مطلقًا، ورغم ذلك كانوا يستعينون ويتناقشون مع بعض الفقهاء في بعض المسائل.
وأيضًا الإنسان لا يتسرّع عندما يقرأ بعض كتب القضاء، وضربت لكم مثلًا بكلام الإمام ابن فرحون عندما ضرب مثالًا على مخالفة النص بشفعة الجار، وأنه لا شفعة لجار، رغم أن هذه المسألة متنازع عليها أمام بقية الفقهاء، وهو ضرب له المثل بأنه يُنقض حكم القاضي بهذا، رغم أنه ربما قاضي حنفي أو قاضي شافعي أو قاضي حنبلي ممكن يأخذ بشفعة الجار ويحكم بها لكن المالكي ممكن ينقضها.
إذًا لا بد أن نكون على حذر ونحن نقرأ كتب أدب القضاة أو كتب القضاء، لا بد أن تعلم مذهب القاضي، خذ حذرك وأنت تقرأ مذهب القاضي، ولا تأخذها مسلّمة، لا بد أن تقوم بإجراء ما يُسمى منهج النظر والمقارنة، تقارن بين أقوال القضاة والأئمة والفقهاء في المسائل حتى لا تأخذها تقليدًا ثم تكتشف أنك على