ولذلك فإنني أرى أن هذه الوسائل العلمية الحديثة إذا تمّت بضوابطها المتعارف عليها علميًا وتحت مراقبة أجهزة الدولة الشرعية وبأمر قضائي من القضاء الشرعي وبنفس الشروط والضوابط التي ذكرتها المجامع الفقهية هذه فإنها ستكون أقوى من القسامة بالطبع، والقيافة، لأن كل هذه أدلة ضعيفة وحجج ضعيفة. القسامة نلجأ فيها في حالات معيّنة كما شرحتها لكم، فهي حجج ضعيفة لكن نلجأ إليها لأنه لا يوجد أدلة ولكن هناك لوث معيّن وشروط وضوابط تكلّمنا عنها فيما سبق.
إذًا بصمة الأصابع وخاصة البصمة الوراثية (الحامض النووي DNA) أقوى منها وأدقّ في التعرّف على هوية القاتل؛ لأنها أقوى من القيافة وتتبع الأثر والتشابه الجسماني. لكن إذا ما تمّ اللجوء إلى الحامض النووي للتعرّف على هوية القاتل في جريمة القتل العمد فيجب أن نفرّق بين حالتين؛ الحالة الأولى: إذا جاءت نتيجة التحليل بالسلب أي نفي التهمة عن المتهم ففي هذه الحالة يجب على القاضي أن يحكم ببراءة المتهم، إعمالًا بالقواعد الشرعية (ادرؤوا الحدود بالشبهات) ، لأنه لا يوجد اعتراف منه، ولا يوجد شهود، ولا يوجد أي قرائن ولا أي شيء إلا هذه، إذًا لو جاءت النتيجة سلبًا يُبرّأ المتهم. وتنطبق هذه القاعدة أيضًا على القصاص في النفس، وعندهم في القواعد الإجرائية الجنائية القانون الوضعي يقول: الشك يُفسّر لصاحب المتّهم، وهي مثل: ادرؤوا الحدود بالشبهات.
الحالة الثانية: إذا كانت النتيجة بالإيجاب وأن هذه البصمة الوراثية للجاني هذا، ففي هذه الحالة أرى ألا تُطبق عقوبة القصاص عليه احتياطًا للدماء؛ لأن هذه الوسيلة رغم تقدّمها العلمي إلا أنها ليست مطلقة، فمن الجائز نسبة الخطأ في نتيجة التحليل، وإن كانت نسبة الخطأ ضعيفة؛ لذلك فللقاضي أن يلجأ لعقوبة الدّية في حالة إصرار المتهم على عدم الاعتراف، وعدم وجود شاهدي عدل لإثبات الجريمة عليه أو إثبات الدعوى في هذه الحالة بالنسبة للقضاء الجنائي.
إذًا هذه هي الوسائل الحديثة، سواء إثبات الجريمة على المتّهم أو نفيها، إثبات النسب أو نفي النسب، من خلال بصمة الأصابع والقدمين، والبصمة الوراثية (الحامض النووي DNA) . حاولنا بقدر الاستطاعة أن ندندن حول هذه الوسائل الحديثة. وطبعًا كل هذا سينطبق أيضًا على ما يُسمى بالتصوير: الكاميرا، تصوير السرعة والفوتوغرافي وغيره، وكل التصوير عبر الوسائل الحديثة الآن، فينطبق عليه نفس الشروط والقيود والقواعد التي كنا نتكلّم فيها في هذه المحاضرة.