الصفحة 24 من 277

وللذكر فإن ابن أبي الدم الحنبلي له وجهة نظر في هذا التعريف ويعترض عليه، ولكن في النهاية هذا التعريف أقرب إلى الحقيقة والوصف الواقعي، وهو تعريف الأحناف للقضاء أصلًا.

مشروعية القضاء:

ما هي مشروعية هذا القضاء؟ أي هذا القضاء ما هو أصله؟ أنت جالس تقول هو مشروع، فما حكمه؟

ابن قدامة في (المغني) يقول في كتاب القضاء: الأصل في القضاء ومشروعيته الكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقول الله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} . ويذكر آيات أخرى ولكن إن شاء الله سألخّص لكم كل هذا فيما بعد.

وأيضًا الشيرازي المتوفى سنة 476 ه في كتابه (المهذب) الذي شرحه مجموعة من الأئمة والعلماء يقول: القضاء فرضٌ على الكفاية. ثم يبدأ في الشرح يقول: والدليل قوله -عزَّ وجلَّ-: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} ، وقوله -عزَّ وجلَّ-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} ، ثم يشرح تقريبًا في هذا المختصر كتاب القضاء، ثم شرح العلماء كلامه هذا بالتفصيل فيما بعد. وهذا واضحٌ في شرح الشيخ نجيب المطيعي في كتاب (المجموع شرح المهذب) ، وفي الجزء الثاني والعشرين.

وأيضًا من الذين تكلّموا في موضوع «مشروعية القضاء» علماء كبار؛ كابن أبي الدم وغيرهم، فقد تكلّم بالتفصيل وذكر الأدلة على مشروعية القضاء.

ومن الذين ذكروا هذا أيضًا الماوردي في (أدب القاضي) وسنذكر بعض الأدلة التي ذكرها، ولكن سأحاول أن نختصر لكم بعض الأدلّة التي ساقها العلماء في مشروعية القضاء:

-من الأدلة في كتاب الله -عزَّ وجلَّ- ما في قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} ، هذه الآية استدلّ بها العلماء على أن الحكم بين الناس إحدى غايات الرسالة السماوية وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- مكلّف شرعًا بالحكم بين الناس، ولذلك أيضًا حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بنفسه، وحكم أصحابه وقضوا بين الناس، سواء في عصره وأذن لهم بذلك، أو في عصر خلفائه الراشدين، وسنتكلّم عن هذا عندما نصل إلى الإجماع وإلى أقوال الصحابة في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت