مشروعية القسامة:
ربما قال قائل يقول ما الدليل، ما مستند مشروعية القسامة؟ هناك خلاف بين الفقهاء في موضوع القسامة كدليل لإدانة المدّعى عليه أو الجاني أو أهل القاتل. هناك من يرى مشروعية القسامة، وفقهاء آخرون ينكرون مشروعية القسامة.
الرأي الأول: القسامة جائزة شرعًا.
هذا هو اتجاه جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وبه قال الأحناف، والإمامية، والشافعية، والمالكية، والحنابلة، والظاهرية، والزيدية.
لكن حتى في الذين يرون المشروعية لهم شروط معيّنة، لكن أنا لن أدخل في تفاصيل كثيرة. وأنا طبعًا في كتابي (إثبات جريمة القتل العمد) تكلّمت في هذا الطريق من طرق الإثبات بالتفصيل. ولكن أنا أحاول أن ألخّص المسألة؛ لأننا بصدد مسألة قضائية ما يجب أن يعلمه القاضي أو يجب أن يتعلّمه طالب العلم لكي يتبحّر في علم القضاء أو يهيّأ نفسه أن يعمل قاضيًا إن شاء الله.
أدلة أصحاب هذا الرأي:
عمدة هؤلاء الذين أجازوا القسامة كطريق من طرق الإثبات القضائي في الدماء، يستندون إلى حديث سهل بن أبي حثمة، والرواية في البخاري طويلة جدًا، فسأختصر الرواية التي في صحيح مسلم:
عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّ مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ، انْطَلَقَا قِبَلَ خَيْبَرَ، فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ، فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَابْنَا عَمِّهِ حُوَيِّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَمْرِ أَخِيهِ، وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَبِّرِ الْكُبْرَ» ، أَوْ قَالَ: «لِيَبْدَأِ الْأَكْبَرُ» ، فَتَكَلَّمَا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ -يعني من اليهود الذين وُجد عبد الله بن سهل قتيلًا عندهم-، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ -أي يُقتص منه-» ، قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، كَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَوْمٌ كُفَّارٌ؟ قَالَ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِبَلِهِ -يعني أعطاهم الدية-، قَالَ سَهْلٌ: فَدَخَلْتُ مِرْبَدًا لَهُمْ يَوْمًا فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ رَكْضَةً بِرِجْلِهَا.