وهناك أيضًا ردود كثيرة في هذا الأمر، في حديث (البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر) هذا ليس للحصر. يعني ليس للحصر أن البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر، ممكن اليمين تُشرع في حق ما يُسمى المودع في ردّ الوديعة، أو في تلفها، وتُشرع في حق البائع، والمشتري إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة.
إذًا هذا من طرق الإثبات وهو طريق الشاهد الواحد ويمين المدّعي.
إذًا رأي جماهير الفقهاء بجواز الأخذ بشهادة الشاهد الواحد مع اليمين، لكن هذه في الأموال وليست في الحدود وليست في القصاص.
نلاحظ أن العلامة الحافظ ابن القيم توسّع كثيرًا في طرق إثبات الحقوق أمام القاضي، حتى إنه له رأي في جواز الشاهد الواحد، وهذه طائفة من قضاة السلف كانوا يحكمون بشهادة الشاهد الواحد إذا علم صدقه من غير يمين المدّعي، ولكن هذا قول نادر وليس مشهورًا. وهؤلاء القضاة الكبار مثل القاضي شريح وزرارة بن أبي أوفى، لكن لهم شروط: إذا علم القاضي صدق الشاهد الواحد جاز له الحكم بشهادته من غير يمين.
واحتجّ ابن القيم بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أجاز شهادة الشاهد الواحد في قضية السلب في الجهاد، ففي الحديث الشريف: (من قتل قتيلًا له عليه بيّنة فله سلبه) ، وقد أجاز النبي -صلى الله عليه وسلم- شهادة الشاهد الواحد لأبي قتادة -رضي الله عنه- عندما قال إنه قتل أحد المشركين، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- حكم له لوحده، وبالتالي يكون له سلبه.
وأيضًا ابن القيم استدلّ بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل شهادة المرأة الواحدة في الرضاع مع أنها شهدت على فعل نفسها.
يعني هذه مسائل خاصة معيّنة ولها حدود، وابن القيم يقصد في ذلك حتى لا تضيع الحقوق، ولذلك توسّع في هذه المسائل، ولذلك قلت لكم أنه أوصلها إلى ست وعشرين طريقًا من طرق إثبات الحقوق أمام القاضي الشرعي.
وإن شاء الله في الدرس القادم وهو الدرس الرابع عشر نستكمل طرق الإثبات، ونتكلّم عن بعض المستندات الورقية والخطّية كدليل أو طريق من طرق الإثبات. ونتكلّم أيضًا إن شاء الله عن القسامة كطريق من طرق الإثبات،