ووجه الدلالة من هذين الحديثين أنهما يفيدان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أثبت الحدّ بالاعتراف، وأنه لو لم يكن الإقرار حجة لما أخذ بإقرار ماعز والغامدية وألزمهما بإقرارهما وحدَّهما، ولما طلب من أنيس الذهاب إلى المرأة التي ادّعى عليها العسيف بأنه زنى بها، وأن يسألها وأنها إذا أقرّت أخذها باعترافها، وأقام عليها الحدّ، وإن لم تعترف حدّ العسيف حدّ القذف -لأنه قذفها-. وهكذا علّق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إقامة الحدّ على اعترافها، فلما اعترفت أمر بها فُرجمت. فإذا كان الإقرار حجة فيما يندرئ بالشبهات وهي الحدود، فلأن يكون حجة في غيره أولى. في غير الحدود يعني من المداينات وغيرها.
نلاحظ أن الرسول أخذ الإقرار ولم يقل معكم شهود، هل معكم قرائن، أو نحلّفه، أو نقسمه، هو فقط أخذ بالاعتراف.
-هناك أيضًا حديث في صحيح البخاري قال:
«عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، قِيلَ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكِ، أَفُلاَنٌ، أَفُلاَنٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ، فَاعْتَرَفَ، «فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» .
وفي مسلم من نفس الحديث: «حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، «أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَأَلُوهَا مَنْ صَنَعَ هَذَا بِكِ؟ فُلَانٌ؟ فُلَانٌ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا، فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ» .
ووجه الدلالة في هذا الحديث أن هذ الحديث يدلّ على صحة إقرار الجاني؛ لذا أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُقتصّ من الجاني الذي قتل الجارية بناءً على إقراره.
-وهناك أحاديث أخرى تدلّ على صحة إقرار المتّهم بالقتل وتمكين ولي الدّم من القصاص، أن الجاني اعترف بالقتل كما في صحيح مسلم أيضًا في باب القسامة وهو حديث سماك بن حرب، قال:
عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ، حَدَّثَهُ، قَالَ: إِنِّي لَقَاعِدٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ -مثل الجلدة هكذا، أو ربطه بسير أو بحبل-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا قَتَلَ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقَتَلْتَهُ؟» - فَقَالَ: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ -يعني هو عنده