ولم تكن خطة محمد - صلى الله عليه وسلم - الحربية هذه سبب إعجاب الناس العاديين وحسب ، بل مبعث إكبار من وجهة نظر رجال الحرب المتخصصين . إذ كيف استطاع محمد - صلى الله عليه وسلم - استنباط هذه الخطة وإنجازها ، لأن النبوغ ليس في استنباط الخطة وحسب ، بل في تنفيذها أيضًا . فالذين يقيمون في منازلهم ويقرأون على صفحات الجرائد الخطط الحربية والعمليات العسكرية التي يقوم بها رجال ضد خصومهم لا يقدرون مدى العناء الذي يعانيه القائد في تنفيذ مثل هذه الخطط في ساحة المعركة . وقد كان حفر الخندق في الجزيرة لمنع هجوم جيش معاد جديدًا ، يشبه « الفالانج » الذي خططه في معاركه السابقة من حيث الجدة والبراعة )) [1] .
وعمليًا ، فإن الخندق الجديد حال دون اقتحام جيش العدو المدينة في هجوم كاسح ، واضطره إلى في ضرب الحصار عليها شهرًا كاملًا دون . أن يتمكن من اختراق الخطوط الدفاعية الإسلامية ، يقول غلوب باشا محللًا:
(( ولم يكن حلفاء قريش من قبائل البادية يستسيغون طعم الحرب الثانية ، وسرعان ما أخذت المؤن تنضب والاحتكاك ينشب بين الأحزاب . وقد أثار الكثير منه رسل محمد الذين أخذوا يبذرون الخلافات سرًا في صفوف المشركين ، و راحت إبل قريش وجيادها تنفق لنقص المرعى . ورغم أن أبا سفيان كان القائد العام للحملة اسميًا إلا أن الأحزاب اتبعت نظامًا غريبًا للقيادة ، وهو إسناد أمرها في كل يوم إلى واحد من رؤسائهم وعلى الرغم من أن هذا النظام كان ضروريًا لتهدئة حوافز الغيرة والحسد بين مختلف القادة إلا أن مثل هذا الترتيب جعل أية عملية منظمة للحصار أمرًا مستحيلًا ) ) [2] .
ويحلل الباحث الإنكليزي مونتجمري وات في كتابه: « محمد في المدينة » أهمية النصر الذي حققه الرسول بل بدبلوماسيته على أعدائه ، بقوله:
(1) ك. جيورجيو: نظرة جديدة في سيرة رسول الله ، ص 289.
(2) جان باغوت غلوب: الفتوحات العربية الكبرى ، ص 129.