نزل الوحي كجذوة وهاجة بددت من نفس محمد كل شك ، و أشعلت فيما تلك الآمال اللاشعورية ، و تلك القوى الكامنة التي كدسها في نفسه خمس عشر سنة تقضت في التأمل والتحنث . لقد فح الوحي عينيه على آفاق شاسعة . وأطلعه على ما يجب أن يقوم به نحو تلك الرسالة من جهود جبارة خطرة . لم يدر بخلد محمد يومأ ما أنه سيحمل هذا العبء، الهائل ، ولثن كان بعض الرهبان قد تنبئوا بشي ، منه ، فإنه لم يعر تنبؤاتهم أي اهتمام ، بل لقد نسيها ، وان اضطرابه وخوفه ، حينا فوجي بالوحي ، من أن يكون فريسة لتخيلات شيطانية ، ليؤكدان لنا صحة ما نقول .
وهذا محمد الذي كان يفر من الاختلاط ببني جنسه ، والذي كان يأبى أية وظيفة من تلك الوظائف العامة ، التي كان مواطنوه على استعداد لأن يمنحوها إياه ، وقد أصبح -تحت تأثير الوحي - مستعدا لأن يواجه الحياة الصاخبة الجارفة ، وقد امتلأ قلبه إيمانًا مكينًا، وأفعمت نفسه بشجاعة لا تلين ، و تأهب للقيام بالرسالة ، بل تأهب للقيام بأعظم رسالة اؤتمن عليما إنسان . ولقد تأهب ، في غير ما خوف أو إشفاق من تلك الامتحانات الهائلة التي لا مفر من أن يبتلى بها أمثاله من الهداة المرسلين . في تلك الليلة الخالدة ، ليلة القدر ، نزل القرآن كله من السماء العليا حيث كان محفوظًا بها إلى السماء الدنيا ، التي تنتشر مباشرة فوق كرتنا الأرضية . وفي هذه السماء الدنيا وضع القرآن في بيت العزة ، ذلك البيت الذي على سمت بيت الله: الكعبة المقدسة )) [1] .
(1) اتيين دينه: محمد رسول الله ، ص 110.