ولم يلق الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا إعراضا وهزءًا جابههما به سكان مكة ، بل سرعان مًا ثارت ثائرة قريش حين دعًا - عليه السلام - إلى نبذ عبادة الأصنام ، والالتفات إلى الديانة التوحيدية . . . . وكان قادة مكة من مشركي قريش متمسكين بتقاليدهم الدينية عكوفًا على الأوثان ، ورموا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأقبح النعوت ، من سحر وشعر وكهانة وجنون ، وأطلقوا عليه لقب الصابىء لخروجه على عقيدة أجداده ، وساموه مر العذاب . . . ويتحدث المفكر الإنكليزي توماس كارليل عما لاقاه الرسول من عشيرته وعاناه في محاولته إقناع أفرادها بصحة ما يؤمن به ، فقال:
(( وجعل يذكر رسالته لهذا ولذاك ، فما كان يصادف إلا جحودًا وسخرية ، حتى أنه لم يؤمن به في خلال ثلاثة أعوام إلا ثلاثة عشر رجلًا ، وذلك منتهى البط ، و بئس التشجيع ، ولكنه المنتظر في مثل هذه الحال ، وبعد هذه السنين الثلاث أدب مأدبة لأربعين من قرابته ثم قام بينهم خطيبا فذكر دعوته ، و انه يريد أن يذيعها في سائر أنحاء الكون ، و أنها المسألة الكبرى بل المسألة الوحيدة ، فيهم يمد إليه يده ويأخذ بناصره ؟ وبينما القوم صامتون حيرة و دهشة وثب على ، وكان غلامًا في السادسة عشر ، وكان قد أغاظه سكوت الجماعة فصاح في أشد لهجة أنه ذاك النصير والظهير . ولا يحتمل أن القوم كانوا منابذين محمدًا ومعادينه وكلهم قرابته ، وفيه أبو طالب عم محمد وأبو علي ، ولكن رؤية رجل كهل أمي يعينه غلام في السادسة عشر ، يقومان في وجه العالم بأجمعه كانت مما يدعو إلى العجب المضحك ، فانفض القوم ضاحكين ... ولكن الأمر لم يك بالمضحك ، بل كان نهاية في الجد والخطر ) ) [1] .
اضطهاد قريش للرسول والمسلمين الأوائل
(1) توماس كارليل: الابطال ، ص72-73.