لا بد أن يكون محمد قد تأثر بإعجاب القوم وتقديرهم العظيم هذه الفكرة التي بسطت السلام بين مختلف القبائل ، ولا يبعد أن يكون محمد قد أخذ يحس بنفسه أنه من طينة أرقى من معاصريه ، وأنه يفوقهم جميعًا ذكاءً وعبقرية ، وأن الله قد اختاره لأمر عظيم وقد اتفق المؤرخون على أن محمدًا كان ممتازًا بين قومه بأخلاقه جميلة ، من صدق الحديث ، والأمانة ، والكرم وحسن . الشمائل و التواضع ، حتى سماه أهل بلده - الأمين - و كان من شدة ثقتم به يودعون عنده ودائعهم وأماناتهم ، و كان لا يشرب الأشربة المسكرة لا يحضر للأوثان عيدًا ولا احتفالًا )) [1] .
أجل ، لقد شهر عن الرسول ابتعاده عن الوثنية السائدة في قريش ، وكان دائم التفكير في أحوال أمته ، ينأى عن كل أسباب التلوث الفكري والعملي ، فعصمته إرادة الله عن ارتكاب المعاصي ، يأنس في نفسه الحدس فيما هو مقبل عليه ، بمرحلة تأمله في الحقيقة الأزلية لسر الوجود وجوهر الألوهية . . . . يقول المستشرق كادا دوفيك (1805_1877) في مؤلفه: « مفكرو الإسلام » :
(( أن محمدًا من سن الخامسة والعشرين إلى الأربعين كان كثير التفكير هادئًا ساكنًا، وكان حليمًا تقيًا حسن الأخلاق ، وانه عندما بلغ الأربعين توجهت جميع قواه العقلية إلى جهة التأمل في جوهر الألوهية ، والبحث عن الحقيقة الدينية ومذ ذاك أخذ يعتزل الناس ويخلو بنفسه في غار حراء بقرب مكة ) ) [2] .
مقدمات النبوة وسر الوجود
أن هذه الحالة الفكرية التأملية التعبدية التي عاشها الرسول - عليه السلام - كانت عمليًا المقدمة للنبوة ، فالبحث عن الحقيقة في شؤون الحياة ، وواقع العرب ، ومسائل الدين لا بد أن يقود إلى معرفة الحقيقة ، وان يقترب الإنسان أكثر فأكثر من خالقه ، خاصة ، وأنه كان على موعد مرتقب مع الوحي الإلهي . . . . يقول توماس كارليل في هذا الصدد:
(1) اثر جيلمان: الشرق ، ص 117.
(2) كاد دوفيك: مفكروا الإسلام.