ولقد جاءه تفسير ذلك من لدنه تعالى . على هذا النحو: ( صل من قطعك ، وأعط من حرمك ، واغفر لمن أساء إليك ) . والحق أن هذه الوصية ( تبق عند الرسول حرفًا ميتًا أو موعظة رخيصة . لقد عاش وفقها حتى في أحرج المواقف . وفي معركة أحد ، عندما جرح وسقط على الأرض ، سأله أحد الصحابة أن يستنزل اللعنة على العدو ، فأجاب:( أنا لم أبعث لعانًا للعالمين ، ولكن بعثت هاديا ورحمة . . اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ) . وذات مرة جذبه بدوي طارحًا دثاره حول عنقه ، وحين سئل الرسول لم لم يعامله بالمثل أجاب قائلًا: إنه لا يرد على الشر بالشر أبدًا . وليس من ريب في أن ما أظهره عند فتح مكة من عفو كريم شيء يعز نظييه في تاريخ العالم كله . كان المشركون قد بذلوا كل جهد يمكن تصوره للقضاء على الإسلام واغتيال الرسول . ولكنه لم يوجه إليهم أي كلمة تعنيف على هذه الجرائم الرهيبة كلها . لقد أسبغ عفوه الجزيل حق على أعداء من مثل إبي سفيان الذي لم يدخر وسعًا في العمل على إيذاء الإسلام ، وعلى زوجته هند التي لم تتورع عن مضغ كبد حمزة على نحو بربري شنيع )) [1] .
أما الباحث الإنكليزي ولير موير فقد تحدث عن معاملة رسول الله ، أعداءه تلك المعاملة التي اتسمت بالرحمة والعفو، حين فتحه مكة ، يقول:
(( وعامل حتى ألد أعدائه بكل كرم وسخاء حتى مع أهل مكة ، وهم الذين ناصبوه العداء سنين طوالًا ، وامتنعوا من الدخول في طاعته ، كما ظهر حلمه وصفحه في حالتي الظفر والانتصار ، وقد دانت لطاعته القبائل التي كانت من قبل أكثر مناجزة وعداء له ) ) [2] .
يقول مارسيل بوازار في كتابه:"إنسانية الإسلام"موضحًا نضال الرسول ومنافحته عن المجتمع الإسلامي الجنيني ، ورحمته وعفوه عند المقدرة:
(1) مولانا محمد علي: 273-274.
(2) وليم موير: حياة محمد.