وما كان محمد أخا شهوات برغم ما اتهم به ظلمًا وعدوانًا ، وشد ما نجور ونخطيء إذا حسبناه رجلًا شهويًا ، لا هم له إلا قضاء مآربه من الملاذ، كلا فما أبعد ما كان بينه وبين الملاذ أيًا كانت ، لقد كان زاهدًا متقشفًا في مسكنه ومأكله ومشربه وملبسه وسائر أموره وأحواله ، وكان طعامه عادة الخبز والماء ، وربما تتابعت الشهور ولم توقد بداره نار ، وإنهم ليذكرون _ونعم ما يذكرون _ أنه كان يصلح ثوبه ويرفوه بيده ، فهل بعد ذلك مكرمة ومفخرة ؟ فحبذا محمد من رجل خشن اللباس خشن الطعام ، مجتهد في الله ، قائم النهار ساهر الليل ، دائب في نشر دين الله ، غير طامح إلى ما يطمح إليه أصاغر الرجال من رتبة أو دولة أو سلطان ، غير متطلع إلى ذكر أو شهرة كيفما كانت ، رجل عظيم وربكم ، وإلا فما كان ملاقيًا من أولئك العرب الغلاظ توقيرًا واحترامًا ، وإكبارًا وإعظامًا ، وما كان ممكنا أن يقودهم ويعاشرهم معظم أوقاته ثلاثًا وعشرين حجة ، وهم ملتفون به ، يقاتلون بين يديه ، ويجاهدون حوله ، لقد كان في هؤلاء العرب جفاء وغلظة وبادرة وعجرفة ، وكانوا حماة الانوف ، أباة للضيم ، وعري المقادة صعاب الشكيمة ، فمن قدر على رياضتهم وتذليل جانبهم حتى رضخوا له واستقادوا ، فذلك وأيم الله بطل كبير ولولا ما أبصروا فيه من آيات النبل والفضل لما خضعوا له ولا أذعنوا ، وكيف وقد كانوا أطوع له من بنانه ، وظني أنه لو كان أتيح لهم بدل محمد قيصر من القياصرة بتاجه وصولجانه لما كان مصيبًا من طاعتهم مقدار ما ناله محمد في ثوبه المرقع بيده ، فكذلك تكون العظمة ، وهكذا يكون الابطال )) [1] .
الرسول و المرأة
هذا ، و قد حاولت الأقلام الاستشراقية المغرضة أن تنفث سمومها في رسول الإسلام حين ألصقت فيه تهمة الشهوانية وتهالكه على النساء . . يقول مونتجمري وات في كتاب:"محمد في المدينة":
(1) توماس كارليل: الأبطال ، ص 83-84.