هذا ، و قد درس الباحث الإنكليزي المستشرق مونتجمري وات ، عظمة الرسول في كتابه: « محمد في المدينة » ، انطلاقًا من النجاح الذي حققه على مسرح التاريخ الذي ظهر عليه ، والظروف الزمانية والمكانية التي ساعدته ، وهيأت المناخ الطبيعي لانتشار الإسلام في جزيرة العرب والتطور اللاحق الذي جعل منه دينًا عالميًا . . .
ولكن ، رغم تركيزه على العوامل الزمانية والمكانية في مرحلتها التاريخية ، والتي كانت مقدمة التحولات الكبيرة التي هي ابنة واقعها ومرحلتها » لم يغفل مونتجمري وات ، الدور الكبير الذي اضطلع به الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي هو في شخصيته وعظمته مزيج من السجايا الرائعة والمواهب العالية ، يقول:
(( ولولا هذا المزج الرائع من الصفات المختلفة الذي نجده عند محمد لكان من غير الممكن أن يتم هذا التوسع ، ولاستنفذت تلك القوى الجبارة في غارات على سورية والعراق دون أن تؤدي لنتائج دائمة . ونستطيع أن نميز ثلاث هبات مهمة أوتيها محمد ، وكانت كل واحدة منها ضرورية لإتمام عمل محمد بأكمله .
لقد أوتي أولا موهبة خاصة على رؤية المستقبل . وكان ثانيًا رجل دولة حكيمًا .. وكان ثالثًا رجل إدارة بارعًا .... )) [1] .
ويخلص مونتجمري وات إلى القول:
(( كلما فكرنا في تاريخ محمد وتاريخ أوائل الإسلام ، تملكنا الذهول أمام عظمة مثل هذا العمل . ولا شك أن الظروف كانت مواتية لمحمد فأتاحت له فرصًا للنجاح لم تتحها لسوى القليل من الرجال ، غير أن الرجل كان على مستوى الظروف تمامًا . فلو لم يكن نبيًا ورجل دولة وإدارة ولو لم يضع ثقته بالله ، ويقتنع بشكل ثابت بأن الله أرسله ، لما كتب فصلًا مهمًا في تاريخ الإنسانية . ولي أمل أن هذه الدراسة عن حياة محمد يمكنها أن تساعد على إثارة الاهتمام ، من جديد ، برجل هو أعظيم رجال"أبناء آدم") ) [2] .
(1) مونتجمري وات: محمد في المدينة ، ص 510 - 511.
(2) المصدر السابق: ص 512.