بداية لا بد من الحسم بأنه لا يهمنا مطلقا أن نقبل أو نرفض لغة القوم بقدر ما يهمنا معرفة المعنى وما ترمي إليه حقيقة، إذ أن الظروف لا تتيح لنا أكثر من التوصيف والتحدث بلغة الظاهرة علنا نفهم بعض ما تشي به من مضامين ما زالت خبيئة أو أنها عصية على الفهم خاصة وأنها تُطرَح بلغة العلم الشرعي فيما الغالبية الساحقة من الأمة بعيدة عن العلم بعقيدتها أو فهم مراميها، فلنتحدث إذن بلغة ميسرة قريبة من الأفهام، مع التأكيد على أننا لا نرى غضاضة في استخدام أدوات تحليل من شأنها أن تساعد على فهم الظاهرة دون أن يعني ذلك بأي حال من الأحوال المس بجوهر المسائل المطروحة أو إحداث أي خدش يقلل من قيمة التوصيف.
أولا: ثقافة التوحيد
يردد الشيخ أسامة بن لادن حكمة تقول:"من أصعب المهمات توضيح الواضحات". ولعل أصعب قضية في عقل السلفية الجهادية وأثقلها على المسلم هي قضية التوحيد، إذ ما من قضية يعادل وزرها وزر التوحيد. هذه القضية، بداية، تعني في اللغة الإفراد والتفرد الذي لا نظير له ولا شريك، وفي الاصطلاح الديني هو الشهادتان وتحقيق مقصودهما، وأول الأركان الخمسة، ويقسم إلى ثلاثة أقسام:
-توحيد الربوبية، وهو إفراد الله تعالى بأفعاله كالخلق والملك والتدبير والإحياء والإماتة، ونحو ذلك.
-توحيد الألوهية، وهو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة قولا وعملا، ونفي العبادة عن كل ما سوى الله كائنا من كان، ويمكن أن يعرَّف بأنه: توحيد الله بأفعال العباد، وهذا النوع هو الذي وقع فيه الخلل، ومن أجله بعثت الرسل، وأنزلت الكتب، وخلق الخلق، وشرعت الشرائع، وفيه وقعت الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم.
-توحيد الأسماء والصفات، وهو إفراد الله عز وجل بما له من الأسماء والصفات عبر (1) إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو ما أثبته له الرسول صلى الله عليه وسلم من الأسماء الحسنى والصفات من غير تحريف لها أو تأويل لمعناها أو تعطيل لحقائقها أو تكييف لها و (2) تنزيه الله عن كل عيب، ونفي ما نفاه عن نفسه من صفات النقص.
ولكن في الواقع ماذا نفهم من التوحيد غير ظاهر القول؟ بل ما هي العلاقة بين التوحيد والواقع المعيوش؟ وإذا ما طبق المفهوم على السياسة والاقتصاد والثقافة والجهاد وغيرها من دروب الحياة الاجتماعية والدينية فهل سيختلف الأمر؟ وهل سيكون للتوحيد معنى مختلف عما هو كائن؟
لو سألت مسلما سؤالا بسيطا: ما هو دينك؟ لأجاب على الفور: إنه الإسلام، ولو أردت استفزازه فاسأله: هل تقبل أن تكون نصرانيا أو يهوديا؟ ذلك أن الوجه الآخر للتوحيد هو الشرك. ومن يتخذ من التوحيد دينا له فلأنه يدرك قطعا {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان 13) ، وعليه فإذا ما تلقى مسلما، أيا كان تدينه، وصفا له بالنصراني أو اليهودي فهو، في الواقع، كمن تعرض لشتيمة وإهانة من العيار الثقيل، ولعلي أذكر حادثة وقعت في إحدى حافلات النقل العام في الجزائر حين صعد أحد المخمورين إليها وهو يتأرجح يمنة ويسرة على الركاب حتى هوى على السائق سقوطا فاغتاظ ونهره موبخا إياه على سكره قائلا:"راك يهودي؟"، بمعنى هل أنت يهودي؟ فما كان من الرجل إلا أن جن جنونه وخرج عن كل طور وهو يشتم ويصيح ويعربد محتجا على الوصف ومرددا عبارة"أنا"