جهل مدقع لدى الأفراد، فالأمة حتى هذه اللحظة لم تبلغ تحقيق التوحيد بعد، وليست على دراية به ويصعب التعويل عليها بالنظر لحجم التخريب الذي أوقعته الأنظمة السياسية والثقافات الغربية في عقولها [20] ، ومع ذلك فالسلفية الجهادية ماضية في شدتها وغلظتها حتى لو كلفها ذلك حياة كل رموزها ومقاتليها، ولا يتسع المجال لذكر الكثير من الشواهد والاستدلالات على ذلك، لكن من الملفت للانتباه ملاحظة العبارة الطريفة التي قالها أبو حمزة المهاجر في خطاب له وهو يعقب على سياسات الحزب الإسلامي تجاه مشاركتهم في حكومة نوري المالكي وعلى الإخوان المسلمين في العراق وغيره:"لا نريد منكم شيئًا؛ فقط دعونا والعدو فإن انتصرنا عليه فهو عزّ الدنيا والآخرة لنا ولكم، وإن قضي علينا فهي شهادةٌ لنا وتكونوا قد استرحتم منا ولن تلقوا الله بدمائنا" [21] .
يحفل لسان العرب لابن منظور بعديد المعاني والدلالات المشتقة من كلمة"طَغي"التي تعني في أول معانيها"جاوز القدْر وارتفع وغلا في الكفر". ومن تصريفاتها اللغوية ومنها"الطاغوت أو الطواغيت"، وتنسحب على"الواحد والجمع والمذكر والمؤنث"من"الجن والإنس"، وتتخذ من المعاني أسماء ودلالات لها كـ"الشيطان"و"الكاهن وكل رأس في الضلال"و"الأصنام"و"الأحمق المستكبر الظالم"و"الذي لا يبالي ما أتى يأكل الناس ويقهرهم لا يثنيه تحرج ولا فَرَقٌ"و"من طغى بالكفر وجاوز الحد"و"هم عظماؤهم وكبراؤهم"و"الجبت والطاغوت"حيث ينسحب"الجبت"على أسماء بعينها مثل"اليهوديان حيي بن الأحطب وكعب بن الأشرف"فيما"الطاغوت"توصيف يمس"رئيس النصارى"كـ"ملك الروم".
هذه التوصيفات اللغوية غالبا ما يقع إسقاطها على الحاكم، ففي كل مناسبة نجد دعوات تنهال على الحكام الطواغيت مصحوبة بسيل من الاتهامات بموالاة الكفار والمشركين أو بمنعهم الجهاد أو بقمعهم لشعوبهم أو بسيطرتهم على ثروات البلاد أو بهيمنتهم على الشعوب أو حتى باختزال الوطن بشخصياتهم، في حين أن الطاغوت في التوصيف القرآني ليس له هوية أبدا، قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} (البقرة 256) ، ومن الواضح أن الآية:
-فيها عموم (الطاغوت) بحيث يدخل فيها الحاكم وغير الحاكم من الناس وغير الناس.
-كما أنها لم تحدد هوية الطاغوت الدينية هل هو المسلم أم الكافر.
-مثلما أنها لم تحدد جنسيته هل هو عربي أم أجنبي، وهل هو أفريقي أم آسيوي، وهل هو أوروبي أم أمريكي ... الخ
-فضلا عن أنها لم تحدد هوية الطغيان فيما إذا كان اقتصاديا أو اجتماعيا أو سياسيا أو ثقافيا ... الخ
-وبالتالي فالآية تنبئ عن طغاة وطغيان كائنين في كل مكان وزمان.
واقع الأمر أن للمفهوم سعة لا حدود لها بحيث ينطبق على الفرد والمجتمع والمؤسسة والحزب والجماعة والأيديولوجيا مثلما ينطبق على كل ما يعبد من دون الله، ولعل سبب حضوره الطاغي في عالمنا العربي والإسلامي أكثر من غيرهما أن الحاكم بالذات هو المتهم بكونه طاغوتا يمارس الطغيان، فالحاكم، بعرف السلفية الجهادية [22] ، جاوز كل حد في تبعيته للقوى العدوانية والشريرة والكافرة ونسج معها كل التحالفات الضامنة لبقائه في الحكم وتوريثه وخاض الحروب ضد شعبه وضد المسلمين بشكل مباشر أو بالوكالة، وهو الأمر الذي يدخل